قصة قصيرة بعنوان مع الموت
استيقظت الأم على صوت الصباح صوت العصافير حيث توجهت نحو سرير إبنها لتوقع قبلة النهاية على جبينه ،وبعدها قصدت المطبخ لتحضر وجبة الفطور و ربما ستكون آخر وجبة في حياته وهو لا يدري بذلك ،وفي تلك الغرفة الصغيرة تتصاعد أنفاس شاب متلفح برداء الليالي السوداء حيث ألقت بنفسه في بحرها الأسود القاتم ومازالت تترامى امواجه بها حتى ألقتها إلى شاطىء الفجر حيث الموعد الموعود.
ايها الدهر ألا تستطيع ان تنام عن الإنسان لحظة واحدة؟الا تستطيع ان تسقيه كأس السرور خالصة لايمازجها كدر ولا يشوبها عناء ،؟ايها الدهر رفقا به لا تزعجه ولا تحرج قلبه واعطف عليه عطف المرضعات على الرضيع وارحم هذا الشاب الوسيم.
نعم مات أبوه وآخر صرخة ترن في أذنيه ماتت اخته وصوت رصاصات الرحمة تتوالى على مسمعه مات صديقه أمام عينيه وهو يتذكر آخر كلمة قالها بلغهم سلامي يا اخي وطبعا سيبلغ سلامه لك المجاهدين ،وهكذا ابى ان يضع هيأته وسط هيآت إخوانه ليقابلهم في عالم الحق والآمان ،
فجأة الأم حضرت وفي يدها كأس من حليب وقطعة من الخبز فقدمته لإبنها ،وفي تلك اللحظة بالذات عم الصمت والسكون ولم تسمع إلا تلك اللقمات التي تتردد في فمه ،وبعد قليل حمل أمين عدته فقبل أمه قبلة النهاية على خدها فانفجر الإثنان في بكاء مرير وكانهما الما بهما حزن فلا يريدان أن يفترقا ،ثم وقفت الأم بالباب تتبع خطوات إبنها حتى غاب عنها
اجل سيغيب إلى الأبد فلن يرجع بعد اليوم ،مرت قافلة الموت هذه المرة فوقفت الأم في طريق الدماء المتدفقة لتقول للسافكين كفى إبنها وحشية إنها همجية إنها تشوه وجه المدنية ،ولكنها لا تعلم شيئا مضت ايام كلها تساؤلات وفي ساحة الوغى اشلاء مبعثرة هنا وهناك، وميادين الحروب ملوثة بالدماء .
وهناك، وراء صخرة كبيرة يختبأ امين ويحمل بندقيته على كتفيه ،وغابت الشمس وراء الشفق الأحمر حاملة معها كل التكهنات وبينما هو يصوب بندقيته إذا برصاصة ترسم اخر كلمة على فمه .قتل امين وفي موته مات الحب والحنان. ماتت الرأفة والرحمة ،اين اباه اين امه؟فلقد رزأتها الأيام في املها الوحيد ،فإلى من ستحن إليه بعد الأن ؟لم يعد لها سوى صرخات ابنائها وامتها واصوات البنادق اصوات القذائف والقنابل ،ماتت الأم مات الإبن ومات كل شيء وفي الموت راحة البائسين .
بقلم الدويدة عبدالرزاق
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق