أحلى علقة سخنة لأجمل فاعل خير :*بقلم وألوان : خالد سليمان
************************************************
يحتاج المعروف لذكاء اجتماعيّ كبير ، فعليك دائما أن تأمر بالمعروف بمعروف ، وعليك أن تنهى عن المنكر بغير منكر .
هذا الدرس دفع ثمنه صديق عزيز بدرجة مقرّبة جدا من قلبي .
قلبه جميل واسمه جميل وفعله جميل ، يتحرّى الإخلاص مع الله بصورة تدعو للدهشة والعجب ، ذات صباح لمحت مسبحة صغيرة طالما أخفاها في طيّات ثيابة في جلسة الشروق حين وقف فجأة ؛ فوقعت على أرض المسجد ، وانتبه فجأة لها ، وحاول إخفاءها بعينين متربصتين لكل من ينظر إليه ، فهو يستخدمها وسيلة معينة لذكر الله من تسبيح وتهليل واستغفار .
هذا الصباح تذكّرت له موقفا ، طلب منّي إخفاءه ، وكأنّه فضيحة ، وكربة من كربات الدنيا أراد منّي سترها ، ولكن هل يختفي المسك الفوّاح ؟!!
أراد صاحبنا إخراج زكاة ماله ؛ فرصد عددا من المحتاجين يسكنون في بيت مجاور لي ، فاختار قبل الفجر بساعة ؛ ليعطيهم تلك الصدقة متحريا غفلة الناس ، وألا يشعر أحد به ، وقد ارتدى ملابس شبه تنكريّة ، مصطحبا معه عدة مظاريف ، وضع في كل ظرف مبلغا ماليا ، وأغلقه بعناية ؛ ليضعه تحت عتبة الباب ، وينطلق ، وها هو قد ركب درّاجة ابنه الأنيقة جدا ، ثمّ انطلق داعيا الله - عزّ وجلّ - أن يتقبّل منه صدقته وعمله ، حيث اختار صدقة السرّ التي يحبها الله - عزّ وجل - ، وفي الظلام دخل سلّم العمارة المكوّنة من خمسة طوابق ، وأدى مهمته بسلام ، وفي لحظة عودته من الطابق الرابع ؛ لمحه أحد السكّان الساهرين على المقاهي حتى بعد منتصف الليل ، وما إن رآه بأزيائه التنكرية المريبة ، ومعطفه الأسود الذي يغطي أكتافه بإحكام ، ويلامس الأرض من طوله ، واضعا على رأسه كوفية سوداء داكنة ، وبين خطواته المرتبكة ؛ راح يخطو بارتباك حين دعاه الساهر العائد قائلا : حرامي حرامي ، فقال له وهو مرتبك : لا لا ، لست لصّا يا أخي ، وانطلق يعدو على السلّم ، ولكن تم القبض عليه في الطابق الثاني بواسطة أحد الصاعدين ، وهوى عليه ضربا وعجنا وطحنا ، وهو يرجوه ويتوسّل إليه : اتركني ، والله لست لصّا ولا سارقا ،
وتجمّع السكان يرقبون فريسة الليل ، وهم ممسكون به ، وهو مستسلم لكل ضربة بقبضة اليد في رأسه ، ولكلّ صفعة يد على وجهه ، ولما أحسّ بالعجز ؛ قال لهم : أريد الأستاذ خالد سليمان ، فاستهزأ به السكان قائلين ومتعجبين أن اخرس الأستاذ خالد لا يعرف اللصوص ولا المشبوهين ، ، وحاول أن يثبت براءته ، ولكنّه عجز ، وهو يكاد يبكي حين هدّدوه بطلب الشرطة ، وقال : اطلبوا لي الأستاذ خالد ، وبعدها خذوني إلى الشرطة ،
واتصلّ بي أحد السكّان ساخرا : فيه ضيف طلب مقابلتك ، فقلت لهم : دعه فقط يتكلم ، وأنا أسمعه ؛ لأعرفه من صوته ، فقد رفض قول اسمه ، فشدّني فضولي لمعرفة الحبيب المجهول ، ونزلت مسرعا متوجسا عساني أن أرحمه من سيل اللكمات والرفسات والنطحات ، وحين لمحت جمعهم جريت بسرعة ، وساءني ما رأيت من عشرة رجال كلّ أمسك بتلابيب معطفه ، وهو قد تحوّل للقمة ليّنة بين الضروس والأنياب والأسنان ، واقتربت منه ؛ لأعرف ملامحه ، وهو يرفض أن يخلع أشياءه التنكرية ، وحين اقتربت أكثر ؛ عرفته ، فطلبت منهم أن يتركوه لي ، وأخذتني دوامة ضحك لم أر مثلها قبل ، فقلت : ما الذي أتى بك إلى هنا ؟
قال : جئت للخير ؛ فأكلت ضربا ولطما ورفسا ونطحا يكفي قبيلة أو قبيلتين ، ولكن لا بأس في سبيل الله ، اللهم تقبّل ،
ونظرت للواقفين المتعجبين من ضحكي وحواري معه وجرأتي للاقتراب منه رغم التحذيرات أن يكون مسلحا أو أن يعتدي عليّ ، فطلبت من الواقفين أن يعود كل منهم إلى بيته تاركين فاعل الخير الجميل لي وحدي ، ولا سيّما بعد أن وعدتهم بأن من فقد شيئا هذه الليلة ، فأنا الذي سأعوضه إياه ، وانصرف الناس ؛ فقد كانوا ينتظرون قراري النهائي ؛ ليفترسوه جميعا ، وأردت اصطحابه إلى بيتي ، ولكنّه رفض بشدّة قائلا : أتريدها فضيحة رسمية لي ؟ ! ، غفر الله لهم ؛ فقد طحنوني طحنا .
ورجاني رجاءا حارا ألا أحكي هذا الموقف عنه ، وألا يعرفه أحد ، فقد اطلعت على سرّ بينه وبين الله ، وطلب منّي أن أقسم ألا أذكر اسمه لأحد ، فقلت : سأحكي ما حدث دون أسماء ، فعاجلني قائلا : بالله عليك لا تنشر شيئا ؛ حتى أقرأه ، ومضى وهو يقول : اللهم تقبّل ،
وبالفعل كتبت ما كتبت و، وحذف ما حذف ، وظللت كتوما على اسمه ورسمه ومهنته ، لكنّي لم أستطع أن أكون كتوما على أجمل علقة سخنة لأجمل فاعل خير .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق