الجمعة، 30 أغسطس 2019

💢💢 قصة ذكريات زوج.... سلوى يوسف 💢💢

لم يكن من السهل عليه أن يصبح زوجاً لأخرى لاتملك شيئاً من صفات حبيبته ، منذ سرقها الموت وهو تائهٌ لايعرف طعماً للحياة .
تقلب على فراشه كمافي كل ليلةٍ يخادع النعاس لساعاتٍ كي يأتي ولايأتيه ، نظر إلى زوجته النائمة بلا اكتراثٍ لأرقه المتواصل ، تذكر زوجته الأولى الحنونة ، تنهد وأدار وجهه للجهة الأخرى يستذكر كلماتها العطوف كلما ضاقت به الدنيا : لاتحمل هماً  يا عزيزي سيكون خيراً ، الله موجود وهو رحيمٌ بنا تعال نجلس على الشرفة  لقد حضرت لك حلوى لذيذة . 
انهمرت من عينيه الدموع فنهض من فراشه وجلس على كرسيها الذي اعتادت الجلوس عليه في الشرفة
ثم لف نفسه ببطانيتها الصوف التي صنعتها بيديها وكأنه يرتمي في حضنها .
هبت نسمةٌ باردةٌ على وجهه ولمعت دموعه في ضوء القمر ، رفع رأسه للسماء ، كل ما كان يراه هو ابتسامتها ويدها الممدودة وهي تقول له تعال ، منذ زواجه توقف عن زيارة قبرها ، كان كل يومٍ بعد صلاة الفجر يذهب إليها ، يقرأ القرآن  ،يكلمها ويبكي ، يتمدد قرب القبر وكأنه البيت الدافيء الذي ملأته بحبها وحنانها ، لكن الناس لم يتركوه لشأنه وظل صديقه يلح عليه ليتزوج ،بحث له عن عروسٍ ، استجاب له وذهب لمقابلة كل عروسٍ مقترحةٍ  لأنه يعلم أن كل النساء سترفضه فهو دميمٌ جداً ، أنفه عريض وضخم ، عيناه جاحظتان ، فمه كبير وشفتاه عريضتان جدا  ، أصلع  وفوق ذلك فهو قصيرٌ وسمين . 
كان دائماً يتساءل كيف أحبته لكنه لم يكن يطيل التفكير فقد كان حبها وحنانها كفيلان  بحمله على نسيان سنوات اليتم والحياة القاسية في طفولته المريرة ، لم تبتسم له الدنيا إلا مرة واحدة حين تبرع له أحدهم بتكاليف دراسته في الأزهر، عاد لبلده ليعمل مدرساً في مدرسة القرية والتقاها بأحد الأعراس ،
 كم كان محظوظاً حين قبلت به زوجاً ، لكن الدنيا هكذا  تهب السعادة بسخاءٍ ثم تسلبها في لحظةٍ ،  منحته تلك الإنسانة التي آنسته وعلمته معنى أن يعيش في كنف أسرةٍ ، لقد توفيت أمه أثناء ولادته وتوفي والده قبل ولادته بستة أشهرٍ ، كان طفلهما الأول فوضعه أهل القرية بالميتم ، بقي فيه حتى أنهى الثانوية العامة وسافر إلى الأزهر  للدراسة .
اعتصرت ذكرياته المريرة قلبه فأغمض عينيه وتنهد ، ذلك الصوت اللعين الذي ينخر رأسه ولا يمنحه السكينة أبدا يردد وكأنه صوت الشيطان ، لا يسكت لقد فقدتها…  فقدتها للأبد .. لن تعرف الراحة ثانيةً أين حبها ؟ أين حنانها ؟ أين مزاحها ؟ أين صوتها الهاديء وهي تناديك ؟ : تعال حبيبي لقد جهز الفطور . 
تعال .. تعال هذه الكلمة التي لم يسمعها من غيرها إلا ليسخره بعمل او يطلب منه شيئاً وحدها من علمته معنى العطاء تحت جناح كلمة تعال ،وكل مرة يهرع إليها كأنها أمه ، لم يكن يريد شيئاً من الحياة غيرها ، كل صلاة كان يتضرع لله أن لا يحرمه منها ، ها هو بعد سنتين من وفاتها مازال ضائعاً في تفاصيلها وفراغٍ هائلٍ كأنه جبٌ عميقٌ بلا قرارٍ ، لايملؤه أحدٌ بعدها .
شد عليه بطانيتها أكثر وملأ رئتيه برائحة عطرها المفضل ، كان حريصاً على أن تفوح هذه الرائحة منها دائماً  ليكون حضنها ملاذه كلما أتعبته الحياة أو اكتوى بنار شوقه لها ،
ثقلت جفونه وأخذه نوم خفيف ، رآها…  لقد جاءت إليه مرتدية ً قميص نومها الأبيض الذي يحبه مدت يدها وقالت له تعال .. تعال نهض من الكرسي ، لحق بها ، أمسكت بيده ، أدخلته  جداراً من ضبابٍ فانكشفت أمامه بساتينٌ ممتدةٌ على مد النظر  ، أشجارٌ كثيرةٌ من كل الأصناف ، زهورٌ جميلةٌ ، عصافير ٌ تزقزق ،  وقصورٌ بيضاءٌ رائعةٌ ، وهي كأنها لم تصب بالسرطان أبداً عادت كما رآها أول مرةٍ ، طويلة القامة ، بشعرها الذهبي الطويل وعينيها الخضراوين اللامعتين وابتسامتها  الجميلة الوديعة الحبيبة ، قال لها : خذيني بحضنك حبيبتي كم أنا متعب ..متعب !
قالت : تعال…  تعال 
وفي الصباح وجده حارس المقبرة ممدداً على قبرها بارد الأطراف يلف جسده ببطانيتها لكنه هذه المرة كان على غير العادة  مبتسماً…  
سلوى







ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

🌹أطلت كالهلال✍🏻 جاسم الطائي

 ( أطلّت كالهلال ) أطَلَّت كالهلالِ فكانَ عيدُ وقالت : هل أتى فصلٌ جديدُ بخيلٌ أنتَ والدنيا رُدودُ فما لي والهوى قدرٌ عنيدُ وما لي والمدادُ ...