قصة بعنوان
المتهمة بذنب لم تقترفه
كانت تزوره كل يوم حتى شك أهل حيها في تصرفاتها ونعثوها بأوصاف لم تكن لتنعث بها. كلما خرج زوجها لعمله تنتظره حتى يركب الحافلة فترتدي جلبابها الأبيض الجميل وتضع سرة في حضنها وتتعطر وتخرج لزيارته.. كانت تلتمس من زياراتها له ردة فعل جميلة لحبهما.. حب عذري نشأ بينهما وكبر ولفاهما في حضنه الدافئ. ألفت دفأه فلم تعد تستطيع فراقه.. كانت تقف عند رأسه الساعات بلا تعب. شغف حب بلا ضفاف جرف القلوب وسرى في الشرايين.. حب جميل استمدت منه شخصية منحتها قوة لا تقاوم. تستطيع الوقوف قربه طيلة اليوم ولا يأخذها من ذلك تعب. عشق وغرام رسما على قلبها شامة حب تذكرها بأيام عطفه عليها ودفئ الليالي الحلوة بين جناحيه. كان أكبر حب عرفته هو هذا الذي جمع بينهما. كانت الدنيا تبدو بحبهما حلوة ليلها كنهارها. بزياراتها المستمرة له، كانت تجد المكان المناسب قربه تمنحها لتفضفض عنده ما في قلبها بكل أريحية. كان يستمع إليها ولا يتدخل.. يستمع اليها ولا يزعجها.. هذع خصلة كانت تحبها منه.. انصاته هذا، لأقوالها كان يخفف من آلام قلبها عكس زوجها الذي، كلما حدثته، يمطرها بوابل من النصائح حتى وإن كانت في غنى تام عنه.. في طريقها اليه كانت تعاكسها الأشواك والأحجار لكنها لا تستسلم، كانت تتخطاها، بل تتحداها ورغم ما كانت تحدثه لها من خدوش في القدمين وتمزق لأطراف ملابسها كانت تكمل سيرها ولا تتراجع. هدفها الوصول عنده ولا يهم ما يقع.. مبتغاها، لا يراوغها عنه مراوغ ولا يهربها منه حتى ما يفوح في المكان من روائح و أوساخ من أردان القوم. من يوم ما تركها وهي حزينة عليه حزنا لا يطاق.. تبكي عليه ولا تهدأ الا بقربه حتى اتهمها الجيران بالضلالة بل اتهمها بعضهم بالخيانة. كان قلبها المسكين يتمدد ويتقلص بين حبه وشر الجيران.. كانت تجيب من يتهمها بأن ما تفعله ليس بضلالة ولا جهالة ولكنه حب أسمى قد استولى على قلبها رغما عنها. فهي لم تعد تهنأ إلا وهي بقربه. ومن تفهم من هذا أو فهمها. بل كان موقفها هذا، يزيد الطين بلة فكان قمين بأن يجعل الشك يدب في افكار القوم.. تصرفات دفعت بعضهم لحث زوجها على أن يتحلى بصحوة ليطلع على ما تفعله. كلام زرع في قلبه شكا جعله يترصدها ويتجسس حتى على مكالماتها الهاتفية لكنه ما عثر على حجة تتهمها. كانت تذهب الى حبيب قلبها وتجالسه ساعات، تتكلم لوحدها، تفضفض عنده بما بدواخلها. كانت ترجو منه ولو كلمة يشاركها بها لتسكين ما يخلخل عواطفها و يضيق على التنفس قفص صدرها. كان لا يجادبها اطراف حديثها. كان قربها مجرد جثة هامدة لا يبالي بما تقوله. كانت تفتكر أيامها معه وكلما افتكرت نكتة من نكته و حاولت لملمت ابتسامة يسرع الواقع المر الذي تعيشه ليشتتها. فتتجهم تقاسيم وجهها و تتجاحظ عيناها، تلومه ثم تشفق عليه وتعذره. لقد كان هو سندها الوحيد في السراء والضراء قبل وحتى بعد زواجها إذ كان يأتي إليها ويداه تحملان من الهدايا ما كان يشفي غليلها ومن الأكل والشراب ما كان يشبعها ويزيد. كان يغدق عليها بحب لم تستطع نسيان جميله أبدا. حتى وهي بعيدة عنه فكلما افتكرته شمت في ما حولها عطره الفواح فتشعر بقشعريرة في كل جسدها الرشيق. تشعر بإحساس يكتنفها لا تشعر به بجانب أي أحد حتى بحانب زوجها وهي تعانقه ويعانقها.
ذات يوم جميل أخبره زوجها أنه مسافر في مهمة ولن يرجع الا بالليل. ذهبت اليه وجلست قربه طويلا وحكت له كثيرا حتى تحلق حولها سرب كبير من الطيور اكثر من اولئك الذين ألفوها وألفتهم وألفوا اطعامها لهم. كعادتها أخرجت من حضنها سرة وفتحتها ثم رمت بما بها على الارض. تحلقت الطيور حول الأكل وبدأت تنقب حباته وهي تزقزق فرحة وكأنها تدعوا لها و تشاركها احساسها بالحب لهذا الحبيب الذي اسكته الزمان عن الحديث اليها. كلما أتت لهذه الزيارة كانت تفعل نفس الشيء. تنشر ما أتت به من أكل للطيور. فتحس بنشوة فتخاطب حبيب قلبها ليشاركها الفرحة لكنها كان لا يستجيب لها.. فما كان للاستجابة منه لها في هذه اللحظة من سبيل. ففرحتها وفرحة الطيور، بالنسبة له أصبحت مجرد ماديات لم تعد تنفعه بشيء. كانت تبتئس لتصرفه لكنها في الأخير تلتمس له العذر. فحبه لها وما كان يكنه قلبه لها من احترام و مودة لشخصها وشغفها به يجعله بريئا من اللوم حتى إن اغتاظ عن الكلام معها..
مالت الشمس نحو المغيب وبدأ النهار يلملم أضواءه ليترك لليل المكان حيث سينشر عباءته السوداء مغطيا بها افعال شر بني آدم.. كانت في هذه اللحظة المسائية التي جملتها الشمس بلون قرصها الأصفر الجميل حيث أسر الناظرين وامتعهم بلونه وما اضفاه على المكان من هبة و وقار. تمددت الضلال و تطاولت حتى غطت كل المكان. فبدأ السكوت والسكون وكأنه خشوع عم المكان.. بدأ الزوار يغادرون زرافات ووحدانا. همت هي الأخرى بالمغادرة فإذا بأحدهم، من وراء ظهرها، يضع يديه على عينيها، تحسسته ثم شعرت بدمعة باردة سقطت منه على قفاها وتسللت الى داخل ظهرها محدثة رعشة ألمت بها من رأسها حتى أخمص قدميها ثم سمعت: سامحيني لقد ظلمتك باستماع كلام القوم و شككت فيك.. قد ظلمك الناس بكلامهم وظلمتك أنا بالإستماع اليهم. أزالت يديه من على عينيها والتفتت اليه، فإذا هو زوجها الذي أصر اليوم على أن يعرف سرها فوجدها هنا بالمقبرة عند قبر أبيها.. عانتقته بحرارة والزوار ينظرون اليها ويستغربون من مشهد حب جميل يقع في مكان كثر فيه الأموات وقل فيه الاحياء .. مكان وزعت فيه المرأة حبها بين ميت وحي.. لم تجد أمام مشاهديها إلا أن تجهش بالبكاء.. أسالت دموعها فوق خدودها وأسرعت لمغادرة المكان مودعة أبيها الى زيارة أخرى...
رفعت يديها الى السماء لتدعو له فإذا بتلك الطيور التي طارت عند حضور الزوج، محلقة في السماء وقد رسمت في الأفق قلبا حلقت به عاليا وخلفها كانت سحابات بيضاء وافقت هي الاخرى أن تواسي المرأة وتزين المشهد برسم خلفية ذات زهور بيضاء تعجب من جمالها الحاضرون.. تابع الجميع تلك اللوحة الجميلة وهي تسير ببطئ في عنان السماء حتى غابت عن أعينهم..
والشمس تشرف على الغياب هي الأخرى، أقرت أن تمد المكان بخيوط نور ذهبية توزعت فوق القبور وعلى قمم الاشجار تنذر بانسلاخ النهار من الليل وتعلن الكل بالرجوع الى الديار قبل خروج الشياطين للقيام بشرهم.. ابتسمت الزوجة لزوجها وتابعت طريقها وإياه تعاكس الأحجار والأشواك بين القبور ويدها بيده.. أشواك كانت تعترضها لوحدها لكن منذ اليوم سيشاركها زوجها الزيارات ويقاسمها لسع الاشواك ويخفف عليها مما يغمر دواخلها من أشواق بلا كلل وبدون تهم ولا شكوك..
أحمد علي صدقي من المغرب.
خريبكة يوم الأربعاء 30/10/2019


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق