من كتابي( ومضات نورانية من حياة سيد البشرية )
الحلقة السابعة
× زواج محمد :عليه افضل الصلاة والسلام
تهافت رجالات قريش على السيدة الناضجة عقلاً وجسماً ذات الأربعين ربيعاً فرفضتهم رفضاً قاطعاً ! فقد تزوجت مرتين من قبل ! بعد وفاة الأول تزوجت الثانى وعندما توفى رفضت خطابها .
وها هى الآن تتأمل هذا الشاب وسيم الطلعة ، حلو اللسان ، حسن التعامل ، الصادق الأمين ابن الخمسة والعشرين ربيعاً إنها تكبره بخمسة عشر عاما كاملة ! ترددت بالتأكيد كثيراً وهى تفكر فيه وأراها تقول فى نفسها :
إنه شاب وسيم ابن الشرف والمهابة نجح فى التجارة وذاع عنه الصدق والأمانة والمروءة لم يتزوج من قبل ويعيش مع عمه ، أما أنا – أتخيلها تحدث نفسها – تزوجت مرتين وترملت مرتين وأنجبت الولد ورفضت كبار رجالات قريش !.
تراهم ماذا سيقولون لو أننى تزوجت محمداً ؟!.
واذا نظرنا إلى المجتمع القرشى لرأينا عجباً ! فهذا المجتمع يبيح الزنا ويبتكر له أسماءً وصنوفاً ! فهناك زنا جماعى أى زنا رجال عدة بامرأة واحدة الواحد تلو الآخر، ويبيح شرب الخمر والميسر !عكس المجتمع المصرى زمن يوسف عليه السلام فقد تعجبت نساء المدينة من إمرأة العزيز لأنها وقعت فى حب فتاها يوسف! وتعجبوا أكثر لمحاولتها الإيقاع به ! حتى أن القرآن الكريم يروى لنا كيف حكموا فى القضية ؟!.
حتى ابنتى شعيب عندما قصا على أبيهما قصة الغريب – موسي عليه السلام - الذى سقى لهما قبل الناس فدعاه الأب ليشكره على ما فعل مع بناته! وعندما جلس الغريب مع الأب طلبت إحدى ابنتيه أن يستأجره فهو القوى الأمين ! لمح الأب بذكائه أن ابنته تميل إليه فعرض عليه أن يزوجه إحدى ابنتيه .
ولكن هنا الأمر يختلف يا خديجة ! محمد ليس بغريب بل هو العلم من شباب مكة وليس بالخائف فهو الأمين الآمن ولا يوجد لك أب يشعر بما تشعرين به مثل شعيب !.
النفس البشرية داخل خديجة سيدة قريش الفاضلة تشتاق لمحمد بن عبد الله فأسرت بما في نفسها إلى صديقة لها! لم تتعجب الصديقة بل ذهبت لمحمد بن عبد الله لتعرض عليه الأمر ولكن ليس صراحة كما عرض شعيب على موسى عليه السلام بل بالتلميح! فهم محمد بذكائه وفطنته ما ترمى إليه صديقة خديجة وتحدث مع أبى طالب فى هذا الأمر فتهلل وجه العم !فهو يرى فى زواج ابن أخيه من خديجة الخير كل الخير! فخطبها لابن أخيه ووقف خطيباً فى الحاضرين يمتدح ابن أخيه وسط مباركة الحاضرين ويقول "إنه من قريش كالدرة للتاج " ! إنها عظمة النفوس وعظمة الأقدار .
كان المجتمع المكى يتعجب! كيف ترفض خديجة كبار رجالات قريش الأثرياء ذوى الشأن؟! وتسعى للزواج من محمد بن عبد الله رغم قلة ماله وكفالة عمه له وصغر سنه عنها؟! وتعجبوا لمحمد بن عبد الله الشاب البكر ابن الخمسة والعشرين ربيعاً أن يتزوج من سيدة فى الأربعين من عمرها ؟!.
لكن الناظر فى الأمر بعين شاب راغب فى الزواج ولد يتيم الأب ، وفقد أمه دون الخامسة ثم فقد جده دون العاشرة ثم شب فى كفالة عمه ، مات أبوه شابا فلم يترك له إرثاً عظيماً وماتت أمه فحرم من حنان الأم ومات جده ! كأن الاقدار تجافيه فكفله عمه حتى وضعه على طريق التجارة فربح فى أول قافلة يقودها ما لم يربحه العتاولة .
عندما يفكر فى الزواج يسأل نفسه ماذا يريد أن تكون زوجته ؟! وماذا يريد منها ؟!.
أول ما يشغل المرء البيت الفسيح لينجب أطفالاً كثيرين ، صبية وصبايا ليعوضوه عن وحدته ! وليكونوا له السند والعزوة ، والسيدة الحنون ليشعر معها بالحنان المتدفق الذى حرم منه فى طفولته لموت أمه، والسيدة العاقلة فلا ترهقه بتفاهات الشابات الغريرات بل تتركه حراً إذا أراد العزلة والانفراد ، والسيدة الناضجة المدركة لمشاكل الحياة والمجتمع، والسيدة الجميلة المتمتعة بالأنوثة الناضجة حتى لا ينظر إلى أى امرأة أخري ، والسيدة بنت العز والشرف فلا يعير بها أبناؤه ، والسيدة الغنية صاحبة المال الوفير لتكون هادئة النفس مطمئنة !.
عندما يبحث محمد عن هذه الصفات لن يجدها !فماذا يفعل لو رآها تطلب الزواج منه ؟!.
هنا يشعر الانسان أن الله أعطاه ما يريد وما تمناه وفى كبرياء وعزة نفس! هذا من ناحيته فماذا عن سيدة مثل السيدة خديجة إن رغبت فى الزواج ؟!.
لابد وأن تكون راغبة فى الاقتران برجل بمعنى الكلمة من الرجولة والاحترام ، ولابد أن يكون ابن عز وشرف هو الآخر ، وأن يكون أمينا غير طامع فى مالها وثروتها وتحلم أن يكون بكراً مثل من تزوجتهما قبله أى تكون المرأة الأولى فى حياته! وأن يكون وسيما جميلاً فى رجولة ، وأن يقبل العيش معها فى بيتها مع من أنجبت من زوجيها الراحلين ، وأن يكون صاحب رأى وشخصية مستقلة !أى صاحب عز نفسى ليس موروثا فقط، وأن يرجح جميع شباب مكة حتى اذا تزوجته لا يضع أهل مكة شاباً آخر فى الميزان معه وألا يكون غنياً! فأغنياء مكة أفسدتهم الأموال الكثيرة وجرفتهم نحو شهواتهم الدونية بجميع أصنافها وهى ترى أن من يفسد خلقه يفسد عقله .
فما أن رأت محمداً حتى مالت إليه وسعت للزواج منه! ووافق وتم عقد القران على الملأ ليتزوج محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصى من السيدة خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصى.. إنه زواج الكمال و كمال الزواج .
وإلي اللقاء في الحلقة الثامنة
الكتاب: ومضات نورانية من حياة سيد البشرية
الكاتب: محمد فؤاد ابو بطه
الطبعة: الأولي 2009
رقم الإيداع:2009/7680
الترقيم الدولي:3-6857-17-977
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق