الأحد، 1 نوفمبر 2020

مأساة طبيب💕💕أحمد عيسى

 مأساة طبيب

بقلم/ أحمد عيسى

كانت أسرة "ماجد" تعيش في الإسكندرية، لاحظ الوالدان مبكراً أن "ماجد"، أحد أبنائهما، ينزع إلى المادية، ويعزف عن وسائل الترقي الروحي؛ إذ كان كثيراً ما يُهمل العبادات من صلاةٍ وصيام، فضلاً عن تنفُّل أو اسْتِنَان.

كم كان الوالدان حريصين على بثِّ قِيَم الإيمان للأبناء جميعاً، لكنَّ "ماجد" مَثَّل نغمةَ نشازٍ في هذه القيثارة الأُسرية ذات السكينة والإيمان.

لم تحُل ميول "ماجد" المادية هذه من تفوقه الدراسي، بل أورت نبوغه فكان أذكى أشقائه علماً ودراسة، وكان يعشق الاطلاع لأنه سبب التفوق والنجاح؛ ثم هو من بعد ذلك سيأتيه برغد العيش والرفعة والرفاهية.

كان "ماجد" يرى في الصلاة ضَياعاً للأوقات، وفي الصوم وهناً وضَعفاً في التركيز، وتشتيتاً لقوى الإدراك والانتباه، وكان التوكل والتفويض لديه دروشة وهرطقة لا طائل من ورائهما!

تخرج "ماجد" في كلية طب قصر العيني بامتياز، وعُين طبيباً، ثم أكمل دراسته العليا، وتخصص في أمراض القلب والصدر، واكترى شقة بالقاهرة وعاش فيها وحيداً يبتني مستقبله.

اجتاحت البلاد آفة فيروس كورونا، على حين كان "ماجد" يعمل في مشفى حكومي نهاراً، ثم يمارس عمله الخاص مساءً بالمراكز الطبية والمستشفيات الخاصة.

مع تفشي وباء كورونا بدأ بعض المستشفيات الحكومية يتحول إلى ميادين حَجْر صحي؛ فخاف "ماجد" على نفسه من العدوى والموت، وقال في نفسه:

إن إمكانات المستشفى الحكومي جِدُّ ضعيفة ومتهافتة للغاية أمام طُغيان هذا الفيروس، ما عساها قفازات، أو كِمَامات، أو مُطهرات وقائية، أو محاليل ومضادات حيوية أن تصنع أمام هجوم هذا الفيروس العاتي.

ثم قرر "ماجد" أن يتمتع بإجازاته التي أتخمت رصيده السنوي، وأغلق هاتفه، واستخدم هاتفاً آخر لممارسة العمل في المراكز والمشافي الخاصة ذات العائد المالي الأكبر التي لا تباشر علاج مرضى فيروس كورونا.

مع خِضَم الأحداث وتلاطم مُجرياتها نسي "ماجد" كعادته أن يتصل بوالديه يطمئنهما عليه، حاول الوالدان وأشقاء "ماجد" الاتصال به فألْفَوا هاتفه مُغلقاً.

طالت مدة عدم اتصال "ماجد" بوالديه؛ حتى استبد القلق بالوالدين فقررا السفر إليه فجراً، ولم يتوجها لشقته بل ذهبا إلى المشفى الحكومي الذي يعمل فيه ابنهما مباشرة.

في المشفى عَرَف الوالدان إجازة "ماجد" الطويلة، وعبثاً حاول الأب أن يعرف سبيل هاتفٍ آخر لولده.

خرج الوالدان قلقين حزينين قد عزما التوجه إلى شقة "ماجد" وانتظاره، لكنَّ الوالد تعثر أثناء خروجه من بوابة المستشفى فسقط يتألم من عظامه.

نقل أمن المشفى والد "ماجد" إلى الطوارئ لعمل اللازم، اشتبه الأطباء أثناء الكشف في إصابته بأعراض كورونا، أجروا له التحاليل اللازمة؛ ثم تأكدوا من إصابته بالفيروس الذي كان في بداياته.

بكت أم "ماجد"، وأسرعت إلى شقة ولدها تستغيث به، وانتظرته طويلاً حتى جاء، استقبلته أمه بدموع ونحيب، ونبأته بالخبر، فوجئ "ماجد" وأطرق هُنيهة، ثم بادر أمه بالحديث معها محافظاً على مسافة آمنة بينهما..

ماجد: وأنتِ يا أمي.. هل أجروا لكِ اختبارات كورونا؟

الأم: لا يا بني، انشغلنا في مرض والدك إذ كان هو الأهم.

ماجد: أمي، قد كنتِ مخالطةً لأبي، يجب عليك أن تتأكدي من سلامتك.

الأم: عن أي شيء تحدثني الآن وأبوك ملقى في الحجر الصحي؟

ماجد: نعم.. أنا كما ترين لم أَنَمْ منذ يومين، سأتصل بالحجر الصحي وأوصيهم بأبي خيراً، لكن عليك أن تعودي الآن إلى أبي، وسأنام ساعتين ثم ألحق بك.

الأم (تكفكف دموعها): عندك حق يا ولدي.. مكاني ليس هنا، سأذهب الآن إلى أبيك.

فكر "ماجد" مليّاً في أمر أبيه وأمه، فانتهى إلى قناعةٍ بأن المشافي الحكومية تنتشر فيها الأوبئة بين المرضى، وأن بيئة المحاجر الصحية خصبة لانتشار العدوى واستفحال المرض، خاصةً مع تناقص وتراجع أدوات التعقيم والوقاية والأجهزة المتقدمة، وكثرة أعداد المرضى والمنومين.

نام "ماجد"، ثم استيقظ على هاتف استدعاء من مشفى خاص بحالة حرجة، لم يستطع "ماجد" إلا أن يقول للمدير المتصل: حالاً.

أخذ "ماجد" حَماماً ولبس ثيابه، وأمَّن نفسه بالمطهرات الوقائية، وارتدى كِمَامته وقفازه، ثم أسرع الخُطى إلى المشفى الخاص.

ركن ماجد سيارته، وما إن عبر الطريق إلى المستشفى إلا ودَعَسَتْه سيارة يقودها شاب مخمور قد عكس الطريق؛ فلقي "ماجد" مصرعه في الحال ولفظ أنفاسه الأخيرة!

في لحظات الحادثة نفسها شَعَرت "أم ماجد" بغتةً بانقباض ووخْزَة في قلبها، على حين كان والد ماجد يتلو على الفراش الأبيض خاشعاً قوله تعالى:

{قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الجمعة: 8].

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

🌹أطلت كالهلال✍🏻 جاسم الطائي

 ( أطلّت كالهلال ) أطَلَّت كالهلالِ فكانَ عيدُ وقالت : هل أتى فصلٌ جديدُ بخيلٌ أنتَ والدنيا رُدودُ فما لي والهوى قدرٌ عنيدُ وما لي والمدادُ ...