* بينَ يقضةٍ وحلم*
جرحٌ عميقٌ والمدامعُ تلثمُ
والدهرُ من بعدِ السكينةِ يضرمُ
هوَّمتُ أغفو بعد طولِ مرارةٍ
وبدأتُ في نومي المآسيَ أرجمُ
وسمعت صوتًا من عميقِ دواخلي
انهض وفي شرحِ الفؤادِ ستدعمُ
اغرس هنا الريحانَ واقلع شوكةً
أدمت فؤادًا حينَ جاءَ الموسمُ
واستنشقِ الكاديَّ وقتَ ربيعِهِ
فهو المداوي وهو فيكَ البلسمُ
وتعفَّرت بالمسكِ كلُّ خميلةٍ
عذراءَ إذ فاحَ الدمقسُ المفعمُ
وهناكَ في الإملودِ عشُّ يمامةٍ
وقفت بروشنِ عشِّها تترنَّمُ
الغصنُ ملتفٌ بجيدِ عريشةٍ
وعلى الخميلةِ جندبٌ يتعلَّمُ
وبوسطِ ذاك النهرِ يرفلُ زنبقٌ
والنهرُ يكرمُ من أتاهُ ويطعمُ
تتلاعبُ الأسماكُ في سنّارتي
ومن الفقاعةِ إذ يبانُ النيسمُ
ونباتُ نجمُ البحرِ جنَّ جنونَهُ
فغدا يلوِّنُ زهرَهُ ويبرشمُ
هذي الطحالبُ مثلَ أجملِ حُلَّةٍ
غطَّت صخورًا ثم زُخرفَ جُلهُمُ
الزيزفونُ مع البنفسجِ أصبحا
وجهًا صبوحًا إذ يفوحُ بهِ الدمُ
وأتى السحابُ يجوبُ أفقَ جُنينتي
ويرشُّها بالماءِ ثم يرمّمُ
الجُلَّنارُ مع القرنفلِ غنَّيا
وشقائقُ النعمانِ حيثُ تسلِّمُ
كرزٌ وأوركيدا بشرفةِ منزلي
وأنا على هذي الاناقةِ مُتخمُ
هذي الكمليا والخزامى في يدي
حتى زها تيهًا بذاكَ المعصمُ
في كلِّ أرجاءِ الحديقةِ زهرةٌ
والوردُ في سعةٍ هناك وفي نمو
وإذا الإوزةُ غادرت فكأنَّها
البجعةُ البيضاءُ وهي تخيّمُ
الصقرُ يُمسكُ حيّةً فيمدُّها
فيجيءُ يسحبُها إليه الهيثمُ
والكلبُ ينبحُ حينَ يسمعُ ضجّةً
فيفرُّ من خلفِ السياجِ الدَّيسمُ
ويتابعُ الكلبُ الخرانقَ مسرعًا
في الصيدِ يتبعهم حصانٌ أدهمُ
وتموءُ هرّةُ منزلي فكأنَّها
في الغابِ إذ دوّى علينا الضيغمُ
ويُقطِّعُ النملُ الصغيرُ براعمًا
ويقصُّ حبًّا لايملُّ ويقسمُ
وبذلكَ البطءُ الشديدُ تجمَّعَ
الحلزون في ورقِ الجنينةِ يقضمُ
يتدافعُ الماءُ الزلالُ كأنَّهُ
من عينِ ماءٍ في التَّدفقِ زمزمُ
وبوسطِها عرشٌ عليه نقوشُهُ
وأنا عليه على الجُنينةِ أحكمُ
حوريةٌ ذاتَ اليمينِ تهزُّني
حوريةٌ ذاتَ الشمائلِ تخدمُ
مترنِّمٌ متأقلمٌ مُتحكِّمٌ
متكرِّمٌ مُتبسِّمٌ مُتنعِّمُ
ويحيطُ أفنانُ الجمالِ بعالمٍ
أزهارُهُ بالزيزفونِ تُترجمُ
وهنا الحصى بينَ المروجِ كأنّها
كبدُ السماءِ تضيءُ فيها الأنجمُ
يتصارعُ الديكانِ حولَ غنيمةٍ
فيفوزُ بالحبِّ الوفيرِ الأضخمُ
يترنَّمُ الشحرورُ فوقَ قُصيبةٍ
فيبينُ طورًا ثم طورًا يُعجمُ
تلكَ الجُنينةُ حلّقت في زهوِها
أعيا اللسانُ لوصفِها وكذا الفمُ
هذا أنا وسطَ المواجعِ رابضٌ
وبسكرةٍ وفيها وفيها أحلمُ
بقلم سيد حميد عطاالله طاهر الجزائري العراق

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق