السبت، 24 ديسمبر 2022

✍️دكتور رضا سلام التبسي✍️


 .. 


.. في قضايا التراث ..


الموشحات ... من أجمل موروثات الأندلس 


ورثنا ، في الحقيقة ، من الاندلس ، الفردوس العربي المفقود ، قيما و مواريث كثيرة جميلة و جليلة معا ،و منها فن الموشحات الذي هو فرع من الشعريات العربية تنفرد به ، فعبثا التماسه في اي شعريات اجنبية ، في العالم ، فيما نعلم ، فالموشحات تأخذ من الشعر جماليته ، و لكنها تنفرد عنه باصطناع لغة غزلية رقيقة غالبا ، على الرغم من أنها تعالج معظم الموضوعات التي تعالجها القصيدة التقليدية من غزل ، و وصف للقصور السلطانية ، و الطرد ، و مدح للملوك و الامراء ، و تهان ، و مدح نبوي ،و هي تتخذ من الشعر الايقاع ، دون الميزان العروضي الصارم .

و قد ظهرت الموشحات اول مرة في مدينة  قبرة  ( تقع في الجنوب الشرقي من قرطبة ، و الشمال من غرناطة ) . و اختلف الناس في الملل التي أفضت إلى قيام هذا الفن من الشعر العربي في الاندلس ، دون غيره من الأقطار الاسلامية ، على الرغم من أنا لا نعدم من يعيد الاصل المشترك للتوشيح و الزجل الى الحجاز ، و ان طلائع هذين الفنين وفدت مع الوافدين الى الاندلس من الشرق و كل ذلك من الافتراضات التي تفتقر الى برهان.

في حين كان ابن خلدون يرجع ذلك الى ما وقع لأهل الاندلس من رقة الحضارة و خفض العيش ، و ذانك امران أفضيا الى التعامل مع الشعر بطريقة جديدة خاصة ، فأنشأوا ذلك ليتلائم مع طريقة عيشهم ، و ذلك حين يقول : فلما كثر الشعر قطرهم ، و تهذبت مناحيه و فنونه ، و بلغ التنميق فيه الغاية ، استحدث المتأخرون منهم فنا سموه بالموشح  ،  ( المقدمة ، 1137 ). 

و رغم الاختلاف و تعدد الاراء في اول من نطق بهذا الضرب من الشعر ، الذي يقع بين العامية و الفصحى لغة ، و بين السجع و الايقاع الشعري ، عروضا : يذهب الكثير ، الى ابن معافر القبريري ، و أخذ عنه ذلك احمد عبد ربه صاحب ( العقد الفريد ) ثم اخملهما الوشاحون المتأخرين فجاءوا على ذكرهما ، و خصوصا عبادة القزاز الذي برع براعة فائقة اخمل من خلالها من جاء قبله و اتعب من جاء بعده.

و كان الوشاحون الاندلسيون ربما اجتمعوا  ليتناشدوا موشاحتهم كما وقع ذلك يوما في مجلس باشبيلية ،حيث ان كل وشاح تأنق في نصه . و ذهب بعيدا في تجويده ، فلما سمعوا الاعمى الطليطلي و تقدم للانشاد مفتتحا موشحته العجيبة بقوله، فيما يذكر ابن خلدون : 


ضاحك عن جمان ، سافر عن عن بدر      ضاق عنه الزمان ، و حواه صدري 


مزق الوشاحون الحاضرون ، و منهم ابن تقي ، موشحاتهم ظنا منهم لا يرقون الى نص الطليطلي .


و ان الذي يعنينا في هذه المقالة ليس الجانب التاريخي الذي اختصه ابن خلدون بفصل دقيق عميق في مقدمتهالعجيبة ، و لكن شيئا اخر ، و هو ان اهل الاندلس حين بلغ بهم الترف غايته ، و الاناقة منتهاها ، لم يعودوا يرتاحون في مجالس الطرب و الانس الى الشعر العمودي القوي الذي يصطنع لغة جزلة ، و صورا عميقة ، فأخترعوا هذا الضرب من الشعر الذي اطلقوا عليه الموشحات ليتلائم مع بساطة انس المجالس ، و متطلبات الطرب لدى المغنين و الجواري . ذلك بان نصوص الموشحات تبلغ بها البساطة الى انها تقترب من العامية ، و لذلك نشأت عنها  ( الأزجال ) التي ستحتضن القراء بتقدمة لها ، كما يمثل ذلك في بيت ابن رافع ، احد شعراء طليطلة : 


العود قد ترنم ، بابدع تلحين        و سقت المذانب ، رياض البساتين 


و لعل من اهم  يمكن ان يذكر ، وفات الاقدمين التنبه اليه ، او فاتحهم تاويل شكله على الاقل ، ان هذا الضرب من الكتابة الشعرية الانيقة يقوم على ازدواج الايقاع بحيث يقرأ من داخله كما يقرأ من خارجه ، ولذلك سهل نقله الى التلحين و الغناء ، فعزف المغنون عن القصائد العمودية الى الموشحات التي اصبحت فيما بعد تعرف باسم : ( الموسيقى الاندلسية ) في بلاد المغرب العربي خذ لذلك مثلا قول احمد بن سعيد المتوفي سنة 321 للهجرة : 


و بلدة قطعتها ، بضامر             خفيدد ، عيرانه ركوب

و ليلة سهرتها ، لزائر                 و مسعد ، مواصل حبيب 


او الخفيدد : السريع ، و الظليم الخفيف ، و يقصد به الشاعر  هنا امراة في مقتبل العمر نحيفة رشيقة جميلة 


فانت، لغنى هذا الكلام بالايقاع الداخلي ، تستطيع ان تقراه على عدة اوجه ، بالاضافة الى الوجه المالوف الذي جاء عليه البيت : 


1 و بلدة ، قطعتها ؛  و ليلة ،  سهرتها ؛ 

2 و بلدة قطعتها ؛ وليلة سهرتها ؛ 

3و بلدة قطعتها بضامر ؛ و ليلة سهرتها لزائر ؛ 

4 و بلدة قطعتها ، بضامر حفيدد ؛ و ليلة سهرتها ، لزائر و مسعد .


و يزداد الايقاع غنى ، و القراءة تعددا في مثل قول ابي بكر بن زهر ، و هو الارق من نسيم الصباح ، و الاشف من صفاء المراة : 


كحل الدجى يجري  ؛     من مقلة الفجر ؛     على الصباح

و معصم    النهر  ؛         في  حلل  خضر ؛     من البطاح 


و كل ذلك يدل على ان الوشاحين الاندلسيين كانوا يذهبون مذاهب بعيدة في التماس الايقاعات الداخيلية قبل الايقاعات الخارجية ، ( او الاسماط ، و الاقفال ، و الخرجات ) و اصطناع اللغة الغزلية الرقيقة في الوصف و المخاطبة ، هما من اكبر الخصائص الفنية التي تطبع هذا النوع من الشعر العربي الذي قد يكون تجديدا مبكرا فيه ، سبق قصيدة التفعيلة بزهاء عشرة قرون .

و على الرغم من تفوق الشعراء المشارقة في كثير من الاطوار ، على الشعراء المغاربة الا انهم في الموشحات ظلوا دون الاندلسيين فيما يزعم ابن خلدون الذي قرر قائلا :  و اما المشارقة فالتكلف ظاهر على ما عانوه من الموشحات ، و كان اهل المغرب لم يقروا بالتفوق لاهل المشرق في هذا الفن الذي ظل ، بالفعل ، وقفا عليهم ، خالصا لهم ، حتى تغنى به المغنون العرب المعاصرون لجمال نسجه  ( موشحة ابن الخطيب مثلا ) و غنى ايقاعه و سلاسة لغته .


و ما التوفيق الا من الله .

د. رضا سلام التبسي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

🌹أطلت كالهلال✍🏻 جاسم الطائي

 ( أطلّت كالهلال ) أطَلَّت كالهلالِ فكانَ عيدُ وقالت : هل أتى فصلٌ جديدُ بخيلٌ أنتَ والدنيا رُدودُ فما لي والهوى قدرٌ عنيدُ وما لي والمدادُ ...