..
.. في قضايا التراث ..
الموشحات ... من أجمل موروثات الأندلس
ورثنا ، في الحقيقة ، من الاندلس ، الفردوس العربي المفقود ، قيما و مواريث كثيرة جميلة و جليلة معا ،و منها فن الموشحات الذي هو فرع من الشعريات العربية تنفرد به ، فعبثا التماسه في اي شعريات اجنبية ، في العالم ، فيما نعلم ، فالموشحات تأخذ من الشعر جماليته ، و لكنها تنفرد عنه باصطناع لغة غزلية رقيقة غالبا ، على الرغم من أنها تعالج معظم الموضوعات التي تعالجها القصيدة التقليدية من غزل ، و وصف للقصور السلطانية ، و الطرد ، و مدح للملوك و الامراء ، و تهان ، و مدح نبوي ،و هي تتخذ من الشعر الايقاع ، دون الميزان العروضي الصارم .
و قد ظهرت الموشحات اول مرة في مدينة قبرة ( تقع في الجنوب الشرقي من قرطبة ، و الشمال من غرناطة ) . و اختلف الناس في الملل التي أفضت إلى قيام هذا الفن من الشعر العربي في الاندلس ، دون غيره من الأقطار الاسلامية ، على الرغم من أنا لا نعدم من يعيد الاصل المشترك للتوشيح و الزجل الى الحجاز ، و ان طلائع هذين الفنين وفدت مع الوافدين الى الاندلس من الشرق و كل ذلك من الافتراضات التي تفتقر الى برهان.
في حين كان ابن خلدون يرجع ذلك الى ما وقع لأهل الاندلس من رقة الحضارة و خفض العيش ، و ذانك امران أفضيا الى التعامل مع الشعر بطريقة جديدة خاصة ، فأنشأوا ذلك ليتلائم مع طريقة عيشهم ، و ذلك حين يقول : فلما كثر الشعر قطرهم ، و تهذبت مناحيه و فنونه ، و بلغ التنميق فيه الغاية ، استحدث المتأخرون منهم فنا سموه بالموشح ، ( المقدمة ، 1137 ).
و رغم الاختلاف و تعدد الاراء في اول من نطق بهذا الضرب من الشعر ، الذي يقع بين العامية و الفصحى لغة ، و بين السجع و الايقاع الشعري ، عروضا : يذهب الكثير ، الى ابن معافر القبريري ، و أخذ عنه ذلك احمد عبد ربه صاحب ( العقد الفريد ) ثم اخملهما الوشاحون المتأخرين فجاءوا على ذكرهما ، و خصوصا عبادة القزاز الذي برع براعة فائقة اخمل من خلالها من جاء قبله و اتعب من جاء بعده.
و كان الوشاحون الاندلسيون ربما اجتمعوا ليتناشدوا موشاحتهم كما وقع ذلك يوما في مجلس باشبيلية ،حيث ان كل وشاح تأنق في نصه . و ذهب بعيدا في تجويده ، فلما سمعوا الاعمى الطليطلي و تقدم للانشاد مفتتحا موشحته العجيبة بقوله، فيما يذكر ابن خلدون :
ضاحك عن جمان ، سافر عن عن بدر ضاق عنه الزمان ، و حواه صدري
مزق الوشاحون الحاضرون ، و منهم ابن تقي ، موشحاتهم ظنا منهم لا يرقون الى نص الطليطلي .
و ان الذي يعنينا في هذه المقالة ليس الجانب التاريخي الذي اختصه ابن خلدون بفصل دقيق عميق في مقدمتهالعجيبة ، و لكن شيئا اخر ، و هو ان اهل الاندلس حين بلغ بهم الترف غايته ، و الاناقة منتهاها ، لم يعودوا يرتاحون في مجالس الطرب و الانس الى الشعر العمودي القوي الذي يصطنع لغة جزلة ، و صورا عميقة ، فأخترعوا هذا الضرب من الشعر الذي اطلقوا عليه الموشحات ليتلائم مع بساطة انس المجالس ، و متطلبات الطرب لدى المغنين و الجواري . ذلك بان نصوص الموشحات تبلغ بها البساطة الى انها تقترب من العامية ، و لذلك نشأت عنها ( الأزجال ) التي ستحتضن القراء بتقدمة لها ، كما يمثل ذلك في بيت ابن رافع ، احد شعراء طليطلة :
العود قد ترنم ، بابدع تلحين و سقت المذانب ، رياض البساتين
و لعل من اهم يمكن ان يذكر ، وفات الاقدمين التنبه اليه ، او فاتحهم تاويل شكله على الاقل ، ان هذا الضرب من الكتابة الشعرية الانيقة يقوم على ازدواج الايقاع بحيث يقرأ من داخله كما يقرأ من خارجه ، ولذلك سهل نقله الى التلحين و الغناء ، فعزف المغنون عن القصائد العمودية الى الموشحات التي اصبحت فيما بعد تعرف باسم : ( الموسيقى الاندلسية ) في بلاد المغرب العربي خذ لذلك مثلا قول احمد بن سعيد المتوفي سنة 321 للهجرة :
و بلدة قطعتها ، بضامر خفيدد ، عيرانه ركوب
و ليلة سهرتها ، لزائر و مسعد ، مواصل حبيب
او الخفيدد : السريع ، و الظليم الخفيف ، و يقصد به الشاعر هنا امراة في مقتبل العمر نحيفة رشيقة جميلة
فانت، لغنى هذا الكلام بالايقاع الداخلي ، تستطيع ان تقراه على عدة اوجه ، بالاضافة الى الوجه المالوف الذي جاء عليه البيت :
1 و بلدة ، قطعتها ؛ و ليلة ، سهرتها ؛
2 و بلدة قطعتها ؛ وليلة سهرتها ؛
3و بلدة قطعتها بضامر ؛ و ليلة سهرتها لزائر ؛
4 و بلدة قطعتها ، بضامر حفيدد ؛ و ليلة سهرتها ، لزائر و مسعد .
و يزداد الايقاع غنى ، و القراءة تعددا في مثل قول ابي بكر بن زهر ، و هو الارق من نسيم الصباح ، و الاشف من صفاء المراة :
كحل الدجى يجري ؛ من مقلة الفجر ؛ على الصباح
و معصم النهر ؛ في حلل خضر ؛ من البطاح
و كل ذلك يدل على ان الوشاحين الاندلسيين كانوا يذهبون مذاهب بعيدة في التماس الايقاعات الداخيلية قبل الايقاعات الخارجية ، ( او الاسماط ، و الاقفال ، و الخرجات ) و اصطناع اللغة الغزلية الرقيقة في الوصف و المخاطبة ، هما من اكبر الخصائص الفنية التي تطبع هذا النوع من الشعر العربي الذي قد يكون تجديدا مبكرا فيه ، سبق قصيدة التفعيلة بزهاء عشرة قرون .
و على الرغم من تفوق الشعراء المشارقة في كثير من الاطوار ، على الشعراء المغاربة الا انهم في الموشحات ظلوا دون الاندلسيين فيما يزعم ابن خلدون الذي قرر قائلا : و اما المشارقة فالتكلف ظاهر على ما عانوه من الموشحات ، و كان اهل المغرب لم يقروا بالتفوق لاهل المشرق في هذا الفن الذي ظل ، بالفعل ، وقفا عليهم ، خالصا لهم ، حتى تغنى به المغنون العرب المعاصرون لجمال نسجه ( موشحة ابن الخطيب مثلا ) و غنى ايقاعه و سلاسة لغته .
و ما التوفيق الا من الله .
د. رضا سلام التبسي

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق