الثلاثاء، 27 ديسمبر 2022

✍️🌼بشير سورة✍️🌼

 * ليالي الشّتاء *

في ليلةٍ من ليالي الشِتاء.. 

كان البردُ قارصاً  وكان الضوء خافتاً  وكان المطرُ يتساقط على شُرفتي التي تطلُّ على وسطِ المدينة ..

 تناولت معطفي الصّوفيّ.. جلستُ على الكرسيِّ الهزّاز.. أنظرُ مِن خلفِ الزّجاجِ المبللِ بقطراتِ المطر.. ومع كلِّ رشفةٍ مِن فنجان القهوةِ أستعيدُ الذّكريات.. ذكرياتٍ مِن الماضي السّحيق.. الذّكريات أشبه بقطار وكل عربة تمثّل عقداً من الزمن 

وفي كلّ عربة  مقاعد كثيرة تلك هي الأيّام .. 

يمرّ القطارُ على المحطّات  وقِطارُ الذكريات  محطّاته الأحداث ، تجولّت في أوّلِّ محطّةٍ وقف فيها قطار الذكريات..  هُنا كنتُ طِفلاً يبلغُ مِن العمرِ خمس سنوات.. كنتُ حينها لا أعرفُ سوى الحبّ واللعب.. نشأتُ في بيت العائلة.. كنتُ متعلّقاً  بأمّي مُلازماً لها.. أكون خلفها دائماً.. مِن الغرفةِ إلى المطبخ إلى الغرفةِ الأخرى.. كان صوت الراديو المنبعث مِن غرفةِ أبي  يبعث بالسكينة.. يتجول أبي بين محطات الراديو  هنا القاهرة .. إذاعة القرآنِ الكريم .. هاهي محطة الغناء  وهاهي أمّ كُلثوم  تصدح بصوتها العذب ..

تُعدّ أمي العشاء فتنادي على إخوتي.. نلتفُ حول الطّعام على هيئة دائرة  ويقوم أبي بتوزيع الخبز هيا كلوا باسم الله .. كان الطّعام متواضعاً وشهيّاً ..وكانت عائلتنا رائعة .. ننفضّ بعد حمد الله إلى غرفنا الدّافئة ( يا له مِن شتاءٍ عائليٍّ دافئ )..

 كانت الكهرباء سرعان ما تنقطع.. يُحسّسُ أبي بين الأدراج عن شمعة أو عقب شمعة .. ها هو الكبريت يا أبي ( أقولُ أنا بصوتٍ طفوليٍّ بريء  مشخللاً بالعلبة ) يُشعلُ أبي الشّمعة ويضعها على طبقٍ مِن الألومنيوم فوق المنضدة في زاويةِ الغرفة ..

 تلك الشّمعة التي ينبعثُ منها الدفئ والسّكينة.. كنت أراقب الشّمعة وهي تذوب... تحترق.. كنتُ أراقبها وهي تذرفُ الدّمعَ في رحلةِ الفناء.. كنتُ ألهو معها  أضعُ يدي أمامها فتحيلها إلى يدِ عملاق  يخرجُ من بين شقوق الجدران.. كنتُ أحبّ لُعبةَ الظّل أصنعُ أشكالاً أليفة وأخرى مخيفة وأصدرُ أصواتاً توحي بأنّها تخرجُ من أشباح الظلّ..

هيّأت  لي أمّي فراشَ النّوم .. لا أنامُ حتى تمسح بكفّها الحاني على رأسي .. شيئاً فشيئاً يتملّكني النُّعاس .. كأنني على جَناحِ طائر يتنقّلُ بي بين الأحلام ..

 أحلام طفولية سعيدة...


انتهت المحطّة الأولى ....


.........................................................

بقلم / بشير سورة


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

🌹أطلت كالهلال✍🏻 جاسم الطائي

 ( أطلّت كالهلال ) أطَلَّت كالهلالِ فكانَ عيدُ وقالت : هل أتى فصلٌ جديدُ بخيلٌ أنتَ والدنيا رُدودُ فما لي والهوى قدرٌ عنيدُ وما لي والمدادُ ...