فاعلية الفرد في المجتمع المتمدن
كلما حاولنا فك ّ ألغازا في الحياة، وجدنا أنفسنا أقل إدراكا لأسرارها، و نحن نرى اليوم العالم يعيش في تسارع رهيب، في عالم تقلصت فيه المسافات، أصبح قرية صغيرة، تفككت فيه أوصال احتكار المعرفة أو المعلومة، و مع هذا الانفتاح ظل البعض أسير أفكار بالية، لا تتجاوزها أمتار حدود غرفته أو حيّه الذي يقطنه، و العالم حوله يعج حركة و يقظة و عطاء.
أتسأل هل يمكن العيش في أسْرٍ ضيق الأفق و العالم حولنا رحب؟!
و هل يمكننا العيش مع ذهنيات تجاوزها الزمن بالسنين الضوئية؟!
أتخيل أن العقلاء لا يرهنون أنفسهم في سراديب مغيبة، و النور حولهم يملأ الأفق.
أجد إن الفرق كبير بين فكر مجتمع القبيلة أو العرش أو العائلة و بين فكر مجتمع المدينة فرق شاسع ، فالمجتمع الأول يبني الجماعة على حساب الفرد و لو كان متعلما أو مثقفا أو كان إطارا ، فإن ذلك الفضاء لا يوفر للفئة المثقفة المكان، فيظل الفرد يعيش التهميش ، و تظل مساحة حرية الرأي مخنوقة، و يظل الفرد عاجزا أن يعبر عن نفسه، أو أن يعبر عن طموحاته المشروعة ، فذلك الفضاء يخنق الأنفاس لا يستطيع فيه المرء أن يشم نسمات الحرية، ، فيظل عاجزا أن يعبر عن نفسه ، يعبر عن طموحاته ، يكون الفرد في تلك البيئة نسخة طبق الأصل للزعيم الملهم الملفوف بعمامة القبيلة أو العرش أو العائلة المكونة من مجموعة من الأشباه المتناسقة؛ أفراد يصدق فيهم المثل ( أسود على غيرهم، ضعيفة ههمهم أمام بعضها البعض) .
إن المجتمع المنشود أتخيله مجتمع يبنى على الفرد القوي بما تحمله كلمة القوة من معاني، فهو فرد مثقف واع، متحصن بالأخلاق، يدرك حاجيات المرحلة ، يتفاعل مع مكونات مجتمعه، ليس نشازا، و ليس عنصريا، فرد يميل للتعاون، يقبل النصح و التوجيه ، يميل للتعايش، يتفاعل بإيجابية في الظروف الصعبة، يثمن الإجماع ، يعبر عن نفسه بكل حرية يملك رأيه وقراره. فهو ذلك الفرد العصبة القوية مع أمثاله ، و بمثل هؤلاء تتشكل الجماعة القوية المتماسكة المتجانسة، إن ذلك ، هو الحلم المنشود .
إن الحلم الذي ننشده، أن تكون لنا قوى حية تصوغ المجتمع على أسس متينة قوية ، قوامها الحق و العدل و القوة، مجتمع تحكمه الأحزاب والنقابات والجمعيات الأهلية وغيرها من الفعاليات المؤثرة، يشكل هذا البنيان العاصم للدولة و الأمة ، و هذه النظم هي التي تحكم اليوم العالم المتقدم ، و ما يسمى بنظام مؤسسات المجتمع المدني.
فكم نحن بحاجة ليتغير نمط تفكيرنا السلبي، فينصب اهتمامنا نحو الفرد الصالح القوي .
و بنفس الاهتمام يكون للأسرة نصيبها من الرعاية ، لأن الأسرة الرسالية المتفاعلة مع قيم الأمة و أصالتها، فالأسرة هي قوام المجتمع الصالح.
إن الأسرة في المجتمع هي التي تربي الأفراد على الفضائل، و هي التي توفر أجواء الحرية،التي يمارس الفرد فيها حقه طليعي دون الإضرار بحقوق الآخرين، و في الأسرة تنسج لأواصر الاجتماعية القوية بين أفرادها ، فتنصهر تلك العلائق في كنف البيت الواسع فتزهر بالتعاون و التكافل. التآزر و المؤاخاة.
إن القيم الحضارية التي. تنشدها في مجتمعنا جوهرها الفكر المتمدن الذي يقوده المفكرون والمتعلمون والناشطون في حقوق الإنسان ، يقوده صناع النهضة في شتى الميادين ، قصدها بناء بيئة نظيفة خالية من اللصوص و السراق ، إن تلك العوامل تشكل جدار حماية ، و جهاز مساعدة تسهم تلك العوامل ببناء المجتمعات ورقيها وتطورها، أما مجتمع القبيلة فان مشكلتها تكمن أساسا في جوهر من يقودها ، يقودها الأميون وأنصاف المتعلمين وأعداء الرأي المتعدد ، في غياب تام للمتعلم والمثقف وصاحب الرأي المستنير مما يجعل مجتمع الغير متمدن يخسر قوة جماعته وتكافلها ، يضر أكثر مما ينفعها ويجعلها دائما تعيش في الماضي ولا تسير في ركب الحضارة الذي لا يتوقف .
إن المجتمع الغير متمدن يتفاخر بالعصبية و الولاء الأعمى ، فتعجز تلك المجتمعات أن تحقق بتلك العصبية نصرا حضاريا ، تظل عاجزة أن تصنع يقظة، أو ترعى حقا إنسانيا بسيطا، لأن الجهل المسيطر على عقول قادة ذلك الوسط يجعلهم يقدسون الألم والقيد خوفا من رؤية أشعة الحرية التي يعتقدون أنها سوف تكشف جهلهم وضعفهم أو تخوفا من زوال تلك الحقوق المكتسبة وهميا ،أو تفقدهم مجد الأباء المسلوب، و هو وهم زائف . إن ما يظنونه مجدا يملكونه كونهم لا يزالون قادة على بعض قطعان من ينتمون إلى سلطانهم ، بهذا السلوك لا تبنى الجماعة المتماسكة بهشاشة البنيان على حساب الفرد القوي.
بينما ذلك التماسك المزعوم لا يعدو أن يكون سوى نسيج لعلاقات وهنة؛ كانعكاس لخوف لدى كل فرد ضعيف و هو ليس دليلا على قوة جماعية أو حزبية تمثل مجتمعا من أفراد أسوياء وأقوياء.
و في الأخير أوجه كلامي لكل مثقف واع له بصمته في المجتمع ، نريد أن تكون لنا مدرسة رائدة و ملعب حي معشوشب و مكتبة ثرية ، و دار تجمع الشباب و منتزه يروح فيه الروح بعد التعب و مسبح ينعش البدن في هذا الحر الذي لا يطاق و لنا عيادات متخصصة مجهزة تتكفل بمرضانا ، نعم أتمناها في حيي، في بلدتي في بلديتي في ولايتي، في ربوع وطني الحبيب. أظن أن كل فرد واع يعي ما أقول .
المثقفون مثلكم و مثلي يقتلهم احتكار الحقائق، عن نفسي لا أرضى أن أكون معول هدم يستغل، و أنا حر أملك حريتي، لا أريد رهن نفسي عند أناس تجمعهم الأنانية، يرفضك لأنك مثقف، و لو تجاوزت الحدود لا أحرقتك سلاطة ألسنتهم .
أقول هذا و أنا على عتبات الستين لا يخفيني أحد، أصرخ بأعلى صوتي أريد حريتي، أريد الخير لأهلي و وطني و أمتي ، لا أريد مناصب جوفاء لأكون زعيم قبيلة. يكفيني و يكفي أن أكون إنسانا يحب الخير لنفسه و أهله و أبناء بلدته و وطنه و أمته .
الأستاذ حشاني زغيدي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق