وجع/ قصة قصيرة
أوقف الأستاذ سالم سيارته التكسي، بجانب سور المدرسة، ودخل مسرع الخطا، فقد بدأت حصتة منذ دقائق، وصوت الطلبة يصل إلى غرفة المدير،الذي تحفز لملاقاته وكلمات التأنيب تسبقه بأمتار لتزيد من توتره.
المدير(: شو أستاذ سالم بكّير، راح ربع ساعة من الحصة، يعني إذا الأستاذ غير منضبط كيف بدنا نضبط الطلاب؟)
يبرر الأستاذ سالم وهو يمسح عرقا بارداً بلل وجهه ويحس قطراته على عموده الفقري تنزلق بهدوء( بسيطة أستاذ كلن دقيقتين)ويدخل القاعة التي تحولت بغيابه إلى ساحة للشغب.
حاول جاهداً أن يسيطر على نفسه، ويضبط أعصابه قبل أن يتوجه لطلابه،بحكمته المعتادة، وأسلوبه الجميل في استيعاب المشاكسين منهم، وقد أفلح حقاً، وابتدأ في شرح درسه كالمعتاد،
الأستاذ سالم ابن القرية، ومن عائلة مزارعة،رباه أبوه على القيم وأهميتها في صنع الإنسان، وبذل جهده ليكون ابنه مدرساً محترماً، محبوباً، وله شأن.
كان مثله الأعلى في ذلك الأستاذ " علي" الذي جاء في سبعينيات القرن الماضي ليعلن افتتاح أول صف في مدرسة القرية_التي أصبحت الآن مدرسة ثانوية تدرّس طلاب القرية والقرى المجاورة لها_ كان يقول عنه كما أهل القرية جميعا، بأنه ابن علم وثقافة وله هيبة، في مشيته أنفة، وفي لباسه الرسمي أناقة، وفي حديثه تواضع.
صفات جعلت الأستاذ علي محبوباً ،تتمناه البنات، والاهل يستقبلونه بالترحاب " أينما حل، تحل البركة" على قول أبو سالم.
ينهي الأستاذ سالم درسه بكتابة بعض التمارين لحلها ضمن الحصة، وليعطي لنفسه استراحة قصيرة، فقد أجهده المشوار الصباحي لتوصيل زبون، أدى إلى تأخره عن المدرسة، ووضعه في موقفٍ محرجٍ أمام المدير وأمام تلاميذه، فيلعن في الوضع الذي وصل إليه المعلم، وأجبره على العمل لتأمين متطلبات أسرته اليومية.
هذه الاستراحة هيجت أوجاعه، وأثقلت عليه ،عندما تذكر الأستاذ "علي " ، صحيح أنه أستاذٌ لايشق له غبارٌ في مادة اللغة العربية التي تخصص فيها، وسبر مجاهيلها،وغاص في أدبها وشعرها، وأعطاها من عمره الكثير، ليصل لتلك المكانة، لكن شتان بينه وبين الأستاذ " علي" فالظروف، لاتتشابه أبداً، ولامجال للمقارنة،يكفي أن راتبه كان يؤمن له عيشة تليق به كأستاذ ومربٍ محترم، أما هو فالراتب لايكفيه ثمن الخبز وبعض الحاجات البسيطة، فاضطر إلى بيع أرضه، ليشتري سيارة،عسى أن تساعده في تحسين مستوى معيشته.
يعود إلى واقعه مكفهراً، وبعض الشغب قد علا في الصف.
بإشارة من يده، يستدعي الطالب المشاغب، لحل أحد التمارين.
الطالب:لاأعرف حلها أستاذ
الأستاذ: ألم تتابعني في الحصة بنيّ؟ ولماذا لم تسألني لأعيد الشرح لك؟
الطالب: لاأريد التعلم ولا أحبه، أريد أن أصبح تاجراً
الأستاذ: تعلم بنيّ وأدخل كلية التحارة؟
يضحك الطالب ويجيب: العلم مضيعة للوقت أستاذ، وها أنت مثال واضحٌ لنا، ماذا نفعك العلم؟
طعنة نجلاء تلقاها،ضبط أعصابه، وطلب منه العودة إلى مكانه، وبكل هدوء، شرح للطلاب إن العلم هو الأساس لرفع قيمة الإنسان، وإن الشهادة تحمي حاملها وإن مانمر به وضعٌ مؤقت فالبلد في أزمة .....
أنقذه رنين الجرس من التمادي في حديث لايقنعه هو، فكيف بطالب يراه معوزًا، ويقارنه بأبيه الذي يمتلك أموالا، وبيوتا،وهو الشبه أمّي؟رأى الاستخاف بكلامه على معظم الوجوه،وحمد الله ان انتهت الحصة.
يغادر الصف والقهر يعتلي قسماته، مهنة نُزعت قدسيتها، منذ أن اضطر ممتهنوها أن يضعوها إلى جانب المهن الأخرى،وفي ترتيب أدنى.
كيف سيكون المعلم رسولا؟ وهو يستجدي لقمة عيشه بأعمال تحط من قدره تجاه مجتمعه، يحسم أمره(سأستقيل،لم أعد احتمل).
يصل إلى سيارته يدير المحرك، وقبل أن ينطلق يُفتح الباب ويطل الطالب ومعه آخر.
الطالب:" توصلنا أستاذ؟ "
الأستاذ( السائق) : تفضلا
يركبا السيارة وهما يضحكان.
يسأل الأستاذ(السائق) : ( لوين شباب)
الطالب: ( بدنا نعمل فتلة بالضيعة أستاذ هههه ههه.مو أنت السائق الآن.)
حاول أن يثور لكرامته، لم يتحمل قلبه الإهانة، شهقة واحدةً، أسكتت الوجع.
انتهت.
فريزة محمد سلمان
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق