توت....توت...
كلما يعود موسم التوت،تعود بي الذاكرة الى صور بعيدة،قريبة،تطويها عجلة الزمن بسرعة لتمثل امامي،حية نابضة،عذبة...وتعيش لحظات..ليست كاللحظات...ابتسامات الطفولة البريئة،وضحكاتها ترن في اذني .وتبهج نفسي...ويمرر شريط الذكريات وجوه صديقاتي..واخص بالذكر...صديقتي سمية...كانت عندما تضحك..تشرق الشمس لمحياها الصبوح..فتغمرني بدفء.،وحنان لا مثيل لهما...واتلذذبهجة الحياة مع حلاوة فاكهة التوت من حديقة بيتها...
شجرة التوت في حديقة سمية،كبيرة،،عريقة،عتيقة،،عملاقة،تتعالى اغصانها الى عنان السماء في جبروت وخيلاء..وكانها قلعة من أساطير الاولين..شامخة..تتحدى صولات الطبيعة بكل عنفوان..جذعها المتين،القوي ضارب في احشاء الارض،نستند إليه بظهورنا عندما نتعب من شغبنا وشقاوة العابنا،،وقد نتمدد في ظلها لنهرب من وهج الشمس الحارقة،،،
كانت شجرة التوت،بيتنا،ملاذنا،مسرح العابنا في اوقات الظهيرة ايام الصيف الحارة،الطويلة،فنمارس كل العابنا من خميسة....وغميضة...ومربعات..فنتنافس في رمي الحجيرات وتلقفها بمهارة في لعبة الخميسة،او في القفز بخفة في لعبة المربعات. دون ملامسة الخطوط الفاصلة....
ولما نجوع،نتسلق اغصان شجرة التوت الرؤ وم، لنقطف الحبات الحلوة في نهم وشراهة لا متناهيين ،ونحن نثرثر بترهات الطفولة أو نترنم باعذب الأغاني وأنا شيد المدرسة.
ولما نتعب...ونشبع ..نفترش أرضية شجرة التوت ونستلقي لننظر الى أشعة الشمس المتسللة بين الاوراق،تعابث عيوننا..وتداعب وجوهنا .ونحن ننشغل عنها بسرد حكاياتنا أو تفاصيل يومنا الصغيرة...وقد نسافر باحلامنا الكبيرة. الى سابع سماء...
شجرة التوت كانت...عمرا ..وحياة...
كبرت...ودارت الايام دورتها،وقذفني مركب الحياة بعيدا عن موطني .وعن سمية...لكن شجرة التوت تعانق دوما خيالي،متجذرة في وجداني وكياني...وكلما عدت الى منزلي ،اهرع الى شجرة التوت...اتفيا ظلها..واحضن اغصانها ..واشبع من ثمارها...فاستشعرحلاوة التوت . وحلاوة الدنيا....
...وعدت يوما...لاتلقى نبا نعي توأم روحي ...سمية...زلزل كياني...واحسست بجزء مني ينطفىء. .وبعد أقل من عام ..عدت لاجد ان شجرة التوت قد فقدت اوراقها، وتيبست اطرافها..وكانها الحق برفيقة دربها...
وقفت ذاهلة امام طلب...هيكل اجرد...ارثيه...وارثي ايامي الجميلة معه...صار المكان. قفرا...وقبرا..لروح كانت هنا...وغادرت...لتقول لي،،،كلنا راحلون...
وكلما عاد موسم التوت....افتقد توت شجرة سمية...ونكهة الذكريات المضمخة بمذاق خاص،فريد...لن يعود ابدا...
بقلمي،،،منيرة بودبوس.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق