الاثنين، 1 يوليو 2019

لماذا تكتب... أبوبكر عبدالرقيب الخامري

لماذا تكتب؟ 

ذاك سؤال تافه جدًا (ما أصعبه!) ومزعج أيضًا. شخصيًا، عندما يسألني أحد الناس عن اسمي أو عن هدفي في الحياة أو عن أصلي أو عن توجهي الفكري أو عن غيره من هذا القبيل، فإنه يزعجني، طبعًا، ولكني لا أدري لمَ هذا الإزعاج السيء الذي أشعر به وقتها. أيضًا، عندما يسألني أحد الناس عن أمور أو أشياء لا أعرفها، أو لا تستحق البحث أو ليس لها إجابة بسيطة، فإنه في هذه الحالة يزعجني أكثر. كل الأسئلة التي نطرحها أو نواجهها في هذا الوجود، لها إجابة دائمًا، إجابة قد تكون سهلة جدًا، لكننا، في أوقات كثيرة، لا ندرك هذه الإجابة؛ إما لأننا نخطئ في طرح السؤال أو نسيء فهمه، وإما لأننا كسالى أو لا نبالي.  
الكتابة نفسها، سؤال تافه كثيرًا، أو غير ضروري، وهذا السؤال، في الحقيقة، يظل هو الأجمل، بل والأهمّ، في حياة كل كاتب. والأغرب هنا أنني مُذْ عرفتُ الكتابة أو منذُ ارتباطي بها، وهو ارتباط لا يزال صغيرًا، لم أجِد بتاتًا أي مبرر لهذا الارتباط المعقّد في عمقه، أي: المبرر الذي يدفعني لممارسة الكتابة. لماذا أكتب؟ لا أدري. هنالك إجابات أو معلومات يفضل الإنسان أو صاحبها التحفظ بها، ربما لأنها تبدو له جميلة جدًا أو غالية، وبالتالي لزم عليه هذا التحفظ؛ حتى لا تفقد جمالها أو تصبح رخيصة بعد البوح. وهنالك أشياء أو أسرار أو صور، نختزنها في أعماقنا أو تدور في أذهاننا، ولكننا نخشى عليها من البوح، كما نخشى في نفس الوقت أن نفقدها أو ننساها في يوم ما. وفي حياة كل واحد منّا، معانٍ جميلة، كثيرة كانت أو قليلة، يصعب علينا البوح بها بأي شكل كان. إن معظم المعاني الجميلة لا تُكْتَب وإن حاولنا ذلك، إنما -فقط- تُعَاش في دواخلنا، أو نعيشها في صمت وهدوء، وتظل تسير معنا، وتتجدد فينا وتنمو.  
الكتابة، في المعظم، ليس في مقدورها أن تنقل ما نريد نقله إلى القارئ على النحو الدقيق، ربما لأنها غامضة وواسعة كالحب، وبالتالي نتوه فيها، وأحيانًا نفقد أنفسنا وأفكارنا لأزمنة طويلة. الكتابة هي هذه النفس البشرية تمامًا. الكتابة، ببساطة، هي: الكتابة. والكتابة مثل الحب، جزء من الحياة. وبما أن الحياة أكبر من الحب، فإنها أيضًا أكبر من الكتابة. وعلى نحو أدق، الكتابة ليست الحياة كما يدّعي البعض، وإنما هي -في تقديري- ذلك الشيء الغامض الجميل الذي يجعلنا نحب هذه الحياة أو نتمسك بها.

وأظن، كالعادة، أن الإنسان لا يقوى على خلق حوار صادق بينه وبين نفسه أو بين نفسه وبين هذا العالم إلّا أثناء الكتابة، وهذا هو السر العظيم.
الكتابة، من زاوية أخرى، هي الدفاع والتصدي، بحيث يدافع الكاتب عن نفسه أو عن حلمه أو وطنه...، باستخدام الوردة أو الابتسامة، لا باستخدام المسدس أو الفأس. وفي الكتابة لا يستطيع الإنسان أن يقول "لا" وحدها، أو "نعم" وحدها، وإنما لا بد أن يقولهما معًا، أو لا يقولهما، كأن يكتب لنفسه فقط، أو لا يكتب شيئًا. 

ليس هناك كتابة سيئة وكتابة جيدة، ولكن هناك كتابة حية وكتابة ميّتة. الكتابة الحيّة هي تلك التي تتمرد على التمرد نفسه، ولكنها تجمع بين العمق واليسر في آن، وهي تلك التي تنقل لنا تجربة الكاتب في واقعه أو حياته. والكتابة الميتة هي "الكتابة الحَذِرة"، كما يقول بوكوفسكي، الأديب الأمريكي العبقري "المتوحش! ". وقبل البدء بالكتابة، على الكاتب أن يتأكد من اليد التي تمسك القلم، فإذا كانت ترتجف، أي خائفة، أو باردة، هنا عليه ألّا يحاول، وإذا كانت حُرّة أو ساخنة، هنا يكون من حقه أن يخوض المعركة. اليد الخشنة هي التي تصنع للقارئ كتابة حيّة، كتابة لا تخضع للموت بفعل تقادم الزمن، أما اليد الناعمة فلا تستطيع أن تفعل ذلك، لأنها لا تعرف شيئًا عن الحياة.  
إنني، باختصار، لا أعرف لماذا أكتب؟ ولكنني أعرف إلى أي مدى أحب الكتابة.

✍...بقلمي .....✍

اخووكم ومحبكم دووما /ابوبكر عبد الرقيب الخامري


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

🌹أطلت كالهلال✍🏻 جاسم الطائي

 ( أطلّت كالهلال ) أطَلَّت كالهلالِ فكانَ عيدُ وقالت : هل أتى فصلٌ جديدُ بخيلٌ أنتَ والدنيا رُدودُ فما لي والهوى قدرٌ عنيدُ وما لي والمدادُ ...