سياده والحياة
الجزء الأول
سيادة التحدي
الباب الثاني
المحاكمة
الميلاد
ولِدتُ في قفصِ الإتهامِ عن عُمرِ ربعِ قرنٍ من الزمانِ، وأنا في العقدِ الخمسينِ من خريفِ عُمرى
الإسمُ سابقاً/
زوجةٌ مكافحةٌ وفيةٌ لـ (شخص)، وأُمٌّ مثاليةٌ لستةِ أبناء.
الإسمُ الحالي/
نظامٌ بائد.
اللقبُ/
إنسانة.
مكانُ الميلادِ/
قفصُ الإتهام.
المُدَّعِي/
(شخص)، وشبابُ الأسرةِ، والنجمُ الرضيعُ في وكالةِ الجَدِّ العاق.
الجريمةُ/
رحيلُ النظامِ، والتخلي عن أداءِ واجبِهِ المُقدسِ (اتجاه النجمِ الرضيع).
وُلِدتُ في قفصِ الإتهامِ من أُمٍّ رحلَ جسدُهَا عنِ الحياةِ، ومازالَ الحبلُ السُّرِّيُّ مدسوساً في أعماقي، ومن أبٍ رحلَ جسدُهُ أيضاً، وباقٍ عملُهُ الصالح، فسبحانَ من خلقَ من كلِّ نفسِ زوجَهَا!!
أرضعتني أُمِّي :
أنَّ السجودَ للهِ وحدَه، وأنَّ الزوجَ ربُّ الأرضِ، لا سجودَ له، ولكن لهُ الإخلاصُ في السِّرِّ والعَلَن
أرضعتني أمي :
أنَّ البيتَ جامع، وحُبُّهُ والدفاعُ عنهُ فرضٌ واجبٌ مقدسٌ مثلُ الدفاعِ عن ترابِ الوطن، وأنَّ لا يبنى بيتي ولا يُربِّي إبنى غيرى.
أرضعتني أُمِّي :
أنَّ الكنزَ الحقيقيَّ هوَ الصحةُ والوقتُ، فإذا أُعطيتَ صحةً ووقتاً؛ ملكتَ الدنيا.
أرضعتني أُمِّي :
أنَّ البطنَ وعاءُ الداء، وأنَّ اللذاتُ والشهواتُ داءُ القلب.
أرضعتني أُمِّي :
أنَّ الحرامَ بينٌ والحلالَ بين، ورضا اللهِ من رضا الوالدينِ في الأرض.
أرضعتني أُمِّي :
الحُبَّ والوفاءَ والعفاف، وكيفَ أشدُّ أزرَ عزيمتي، وأُواجهِ المصاعِبَ في الحياة.
أُمِّي لم تخط بالقلمِ يوماً، ولم تجلس أمامَ مُعلمٍ أو شيخ، أُمِّي التى لم تتزينَ إلا بفطريةِ روحِهَا، والكَحلِ في مَهَا عينيها.. من الحجرِ والشريطِ الحارق، لإخراجِ الأذى والروائِحِ العَطِبَةِ، وتطهيرِ العين، ولنعومةِ بشرتِهَا عصيرُ الليمونِ الطازجِ دائماً، وبقايا الزُّبدِ في ماءِ الشرشِ من الخض، ناصِحَةً كلَّ عروسٍ بفركِ الجسمِ بدقيقِ الذرةِ لمدةِ شهرٍ قبلَ العُرس، كيفَ أنساها؟!، ولا أدعوا لَها كلَّ حينٍ ووقت .
وُلِدتُ لأبٍ مازالَ زرعَهُ بداخلي، يجودُ بالثمر.. حُبِّ اللهِ ورسولِهِ صلى اللهُ عليهِ وسَلَّم، هوَ أوَّلُ الحُب، مُتمسِكاً ببرِّ أُمِّهِ، مُوصِينا بالصلاةِ دائماً، والبُعدِ عنِ المحرمات، رقيقُ القلبِ، قريبُ الدَّمعِ، مُرهَفُ الحسِّ، أسدٌ في الحق.
فكيفَ أنساهما ؟!!
ومازالَ الحبلُ السُّرِّيُّ مدسوساً في روحي؟!
ما أصعبَهَا حياةٌ معَ (شخصٍ) كارِهٌ للجَدِّ العاقِ، والأصلُ كارِهٌ لكلِّ ماضِيهِ ولنفسِه.
وُلِدتُ في قفصِ الإتهامِ لإخوةٍ سرقتهُمُ الحياةُ ومُتطلباتُهَا، وشغلتهُم حتى عن أنفسِهِم، أو أكونَ سقطتُ من ذاكرةِ مُخيلاتِهِم؛ فلم يسألوا عنى.
وُلِدتُ بينَ أُناسٍ مَزَّقوا أقنعتَهُم، مُعلنينَ عن أنيابِ الشرِّ.
المادةُ مُسيطرةٌ والأرواحُ والأخلاقُ في سجنِ الشهواتِ والأجسادِ مُقيدةٌ مُغَلَّة.
الأحقادُ مُعلنة، النفوسُ مريضة، العقوقُ مُنتشر، تجارةُ المنكرِ رابحة، الحلالُ مكروه، الحرامُ محبوب، الحقُ هش، الباطلُ قوي، النهارُ مُظلِم، العملُ والسعيُ خامل، الليلُ مُشتعِلٌ بالمحرماتِ صاخِباً، البيوتُ مُزخرفةٌ والقصورُ مُتوَّجَه، من الوِدِّ والحُبِّ خالية، بالخيانةِ والغدرِ أنهارٌ جارية، من القناعةِ خاوية، البنوكُ ممتلئةٌ والأنفسُ شحيحة، التاريخُ مُزيفٌ والعِرضُ رخيص.
وِلِدتُ وسطَ قِلَّةٍ من رجالِ الدينِ والحقِ والعلماء، وقِلَّةٍ من الحكامِ الشرفاء، الحقُ مُلجَمٌ الكلِّ إمامَ نفسِه، والكلُّ قاضٍ ومُفسِرٌ للدين، ومُحللٌ سياسىٌ وعالِم، العبوديةُ للمرؤوسين، الحروبُ مُنتشرة، وكؤوسُ تجارةِ البشرِ والإرهابِ فوقَ الجثثِ ممتلئةٌ متوهجةٌ رابحة.
وُلِدتُ وسطَ عالمٍ مُنقسِم، من لم يكن معنا؛ فهوَ علينا.
وُلِدتُ مطعوناً بخنجرِ الغدرِ مسموماً، لو قُطِعَتْ يدُ الطاعِنِ قُطِعَتْ قطعةٌ من لحمى، وإن رددتُ الطعنةَ جاءتْ في فلذاتِ كبدي.
وُلِدتُ بقلبٍ مُحِبٍ للسلامٍ والحُب، نابضٌ عامِرٌ بالإخلاصِ للهِ وللوطن.
وقفتُ في قفصِ الإتهام، ممسكةً قضبانَهُ الحديديةِ بأسنانِ يدي؛ لأُقيمَ صُلبي على قدمٍ لم تنمْ يوماً إلا وبها نبضُ القلبِ من الألم.
وقفتُ في قفصِ الإتهامِ ماسِكَةً جسدي بعزيمةٍ أرهقَهَا الماضى، أُسانِدُ بها ظلَّ حياةِ يومي.
وقفتُ في قفصِ الإتهامِ برحِمِ أُمٍّ حمِلَتْ وولِدَتْ تسعةً من الأبناء، من (شخص)، ومن لحمي ودمي، استردَّ اللهُ ثلاثة، ووهبَ لي ستةً كانوا نبضَ قلبي، وقفتُ ببطنٍ صامِتٍ عن حُبِّ اللذاتِ حتى اشتكى منها الجوعُ والعطش، وبقلبٍ تدفقَ منهُ الحُبُّ كالنهر يجرفُ معهُ طيِّبَ الخصب، يزرعُ في كلِّ نفسٍ أقابلُهَا أجودَ الثمر، وهوَ مطعوناً بخنجرِ الغدرِ مسموماً من رفيقِ العُمرِ وفلذاتِ كبدي!!
وقفتُ في قفصِ الإتهام، وتحجَّرَتْ مشاعرُ الألمِ في حلقى، قُطِعَتْ حِبَالُ محصوتي، ولجََمَتْ نُطقي، وكادتْ تُزهَقُ نفسي، ولَهِيبُ أنفاسي من بركانِ وجداني أذابَ الحزنَ دُموعَاً، انهمرَ كالسيلِ من عيني وأنفى وفمي!!
وقفتُ وتساقطتْ أسناني من العَضِّ على الغيظ،وضغطٌ ارتفعَ في الرأسِ من الهم، ووجهٌ تقلصَ وانعقدَ حاجبيهِ من الحُزن!!
وقفتُ في قفصِ الإتهام.. بنيةِ...عدمِ الدفاعِ عن نفسى!
تركتُ للقاضي إنجازاتي، وتاريخَ أعمالي.. تدافعُ عنى بعدَ أن أخرسَ الألمُ صوتي .
أنا في قفصِ الإتهامِ واقفةٌ مُتعبة، و(شخص) وشبابُ ثورةِ الربيعِ الأسرى والجَدُّ العاقُ وشريكتُهُ وصديقُ السوء وشياطينُ الإنسِ جالسون، يتسامرونَ ضاحكون، يتغامزون، وأنا واقِفَةٌ على حالي!!
مازلت أكتب لكم
دمتم بخير أحبتي
سياده العزومي
سقراطة الشرق
عضو اتحاد الكتاب

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق