#العيش ببساطة:
تعقد الانسان وعقد معه حياته خلقا واخلاقا وتصرفات ومعاملات. ولن يجد الراحة ولا السعادة الا ان اجتهد في تغيير نفسه.. لإنقاد ما تبقى له من انسانيته قبل ان يصبح وحشا لا يطاق فساده ولا تتحمل كراهيته وبغضه لبعضه البعض. هذا شرط لا بد من القيام به ولا بد ان يتحقق. وللقيام به ولتحقيقه سيكون الانسان مجبرا على إعادة النظر في كل مكونات نفسه. وسيتطلب الامر منه بدل مجهودات جبارة ربما لن يطيقها.. فالتغيير اصبح واجب للخروج مما وصل اليه الانسان من انحراف بين و متجاوز الحدود عن اتسانيته.. ولن يستطيع الانسان الحالي المستبد والطاغي هذا التغيير الجدري بدون ألم.. لانه في نفس الوقت سيكون هو المادة والنحات.. يعني سينقش نفسه بنفسه. ويتطلب منه هذا ان يضرب بمطرقة التغيير الثقيلة على كل مكوناته و بعنف لتطاير الشظايا ليظهر بريق وجهه الحقيقي..سيكون الهدف صعب المنال لان العزيمة ضعيفة ما دام الانسان سعيه الطيب هو ستغلال اخيه الانسان واالجري وراءه لاستخدامه كوسيلة لكسب المزيد واستعمال بطش يده عليه لترويده أو اخذ ما عنده. لو تجنبنا هذه الاكراهات وهذه الاجحافات وهذه الوسائل الاستغلالية وفكرنا قليلا لوجدنا ان هناك طريقة سهلة للتغيير والرجوع الى انسانيتنا التي خلقنا بها والتي هي ما يميزنا عن الاسد و الذئب والثعلب وغيرهم من انياب الغابة والقرش وغيره من اسنان البحار.. هذه الوسيلة سهلة وممتنعة في نفس الوقت.. وهي ترك البدخ و اقتسام ما فاض من ممتلكاتنا مع من هم في حاجة اليه للعيش معهم في بساطة ومحبتهم و احترامهم و الدفاع عن الصعيف منهم..
في حياتنا اليومية لا نحتاج للكثير لكي نعيش مرتاحين. حياتنا البسيطة لا تحتاج حتى للتفكير الكثير لكي تكون مريحة و جميلة. فمما يثقل كاهلنا هناك الافكار الكثيرة في الكسب المدقع التي تجثم على اذهاننا فتقلقنا وتستهلك طاقة نحتاجها للعيش البسيط الهادئ. فالذي يفكر كثيرا يشيخ مبكرا.. والذي ينسى حاضره ويفكر في المستقبل يضيع عليه فرصة العيش البسيط الهادئ في اللحظة والآن.. فالخوف من المستقبل والارتباك مما يمكن ان يحدث فيه هو عبئ خيالي لا معنى لاقحامه في لحظة عيشنا الملموسة. ان عرض علينا خبز يابس و خبز طاجز ودقيق لعجنه، لنختار الخبز الطاجر وكفى. فالتفكير فيما سيحدث يجعلنا نعيش على اعصابنا، الشيء الذي يجعلنا نرفض حياتنا الحقيقية ونعيش حياة ملؤها وساوس نتخيلها. نرحل بافكارنا الى الخيال فنصبح أناسا آخرين. نصبح نحمل بداخلنا رجل آخر يسكننا له من الاطماع والاهداف ما ليس لنا القدرة على تحقيقه. فنعيش حياة مدبدبة بين ما نحن فيه وما نطمع ان نصل اليه. نستحسن افق انتضار بعيدة ونستهجن ما هو عندنا. نسعى لقطمير سعادة بين اكوام قش حياة بائسة يربطنا بها الخيال فقط ونترك العيش والسعادة بحقيقة ما نملكه.. نتيه في غابة افكار لما يمكننا نيله فلا ننتبه لما عندنا ولا لما لنا ولا لما يحمل القيمة الحقيقية لحياتنا حتى نشيخ ونقف على عتبة نهاية العمر فيقال مات المسكين.
لماذا التفكير في شيء هو مجرد ثقل نزيده على ما يثقل كاهلنا قبله.. هذا الطمع في جلب الكثير وكسب المزيد من اشياء لسنا محتاجين اليها في لحظتنا الراهنة انما هو ضياع لوقت ثمين يمكننا اسثتماره في التفكير في عيش اللحظة والآن.. ان تفكر في اقتناء السيارة الفارهة والفيلا الضخمة وانت تملك ما ينقلك لعملك وما يقي شخصك من البرد والحرارة فهو يجعلك تنسى التفكير في نفسك. في لحظتك. في عائلتك. تعيش خيالا يجرفك لتعيش حياة ضنكة مضيعا حياتك الحقيقية.. تسلبك حياة خيالية حياتك البسيطة السهلة، فلا انت عشت حياة كما اردتها ولا كما ارادك ربك ان تعيشها..
كيف لمن شاب و بلغ من العمر عتيا ان يفكر في جمع المال او في بداية مشروع ضخم وقد اقترب اجله وستجمع عما قريب عضامه في قماش لضمها الى حفرة تردم فيها؟ كان من المفروض ان يفكر في مشروع اجتماعي-- كبناء مستشفى مجاني او مدرسة مجانية-- ينهي به ما تكدس عنده من الاموال بدل التفكير في مشروع للزيادة فيها و قضاء الوقت في تعاسة تسييرها.. يجب على من فاق الخمسين ان يكون هو اسعد الناس وهو من يزرع السعادة عند الشباب بدل اتعاس نفسه والناس. بعد ان صال وجال واكتسب من التجارب ما به قاوم مكرهات الحياة ووصل ما وصل اليه، فكفاه ركدا وراء الاموال تعاسة وسهرا على تسييرها.. بعد أن سبر اغوار الحياة وتعرف على كل خفاياها وجب عليه الأخذ بما علمته من تعاليمها وما تعلمه من دروسها و السهر على تلقين هذا لمن يراهم مؤهلين لحمل المشعل لاستمرار الحياة في العيش البسيط والحياة السعيدة ...قال الرسول صلى الله عليه وسلم: لك الساعة التي أنت فيها. عليك أخي ان تعيش ساعتك التي انت فيها. فان تملك الكثير او لا تملك شيئا فهو لا علاقة له بالسعادة.. يجب ان نعلم أن السعادة فلسفة. وفلسفتها البساطة. فخطاب العيش البسيط والتفكير فيه يجعلنا نزيل كل الظلال التي تخفي عنا سعادتنا.. فلا يمكن ان نكون سعداء اذا تركنا اذهاننا هائمة في عالم الهموم الخيالية التي لسنا بحاجة اليها..
احمد علي صدقي من المغرب
كندا مونتريال الخميس 30/01/2020

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق