( أصبح من الآلهة )
في عام 1984 أنهى شاب فلسطيني دراسته الثانوية وحصل على شهادة ( البكالوريا ) وكان يرغب في دراسة ( طب الأسنان ) في إحدى الدول الأجنبية ...
لكن الوضع المادي البسيط لأسرته لم يكن يسمح بذلك ... اجهدت الأسرة نفسها بجمع مبلغ من المال وأختارت الأسرة دولة الهند بإعتبار تكلفة المعيشة والدراسة فيها أرخص بكثير من الدول الأوروبية ... وفعلاً سافر هذا الشاب إلى الهند للإلتحاق بإحدى الجامعات هناك ...
ومن المعروف أن تلك البلاد تتعدد فيها الأديان والمعتقدات والآلهة ... حيث يعبدون البشر والشجر والحجر ... إلى آخره ...
وفي إحدى القرى الواقعة قرب إحدى محطات السكة الحديدية ... وكان أهل تلك القرية والقرى المجاورة لها يعبدون أحد الأشخاص وقد نصٌَبوه إلهاً لهم ويقومون بعبادته وتقديم العطايا والهدايا له ... ولكن تقدم العمر بهذا الإله ومرض مرضاً شديداً وكان عدد أتباعه يقدر بثلاثة مليون إنسان ... وقد إجتمع الكثيرون منهم حول بيته وهم خائفون أن يصيب إلههم مكروه ...
وسأله بعض مريديه وهو يحتضر على فراش الموت
هل يعقل أن تموت وأنت الإله ؟
وحتى يتخلص من إحراجهم بعد أن قاموا بعبادته طوال هذا العمر المديد وقدموا له أغلى ما لديهم ...
فقد خطرت له فكرة جهنمية تخلصه من الإحراج إلى أن يموت بسلام ... فقال لهم طبعاً الإله لا يموت ... فروح الإله خالدة ... لكن الجسد يفنى فتنتقل الروح إلى جسد آخر ... وأنا أعلم بأن روحي سوف تحلٌُ بجسد شاب أشقر عيونه خضراء اللون لكنه يتكلم باللغة العربية فأذهبوا إلى محطة القطار القريبة وإنتظرو إلهكم الجديد ... فإتجهت الملايين للمحطة المذكورة ... وهكذا تخلص إلههم من الحرج في آخر لحظاته ومات بسلام ...
وكان الشاب الفلسطيني البائس في غفلة عما ينتظره في المحطة القادمة ...
وكان كل همه منحصراً بالدراسة وتأمين المسكن ونفقات الدراسة الجامعية ...
وعلى غير العادة فقد أزدحمت تلك المحطة الصغيرة بمئات الألوف من الرجال والنساء وهم ينتظرون بلهفة وشوق كبير متوقعين أن يخرج من القطار مع بعض الركاب النازلين في تلك المحطة ... الإله الذي يحمل نفس الصفات التي وصفها لهم إلههم السابق
تلك الصفات التي جعلها شبه مستحيلة ... فكيف يلتقون بشاب أشقر بعينين خضراوين من بين بحر من أصحاب البشرة السمراء الداكنة ...
وحينما توقف القطار في تلك المحطة وإشرأبت رقاب مئات الألوف وجحظت عيونهم تتفقد وجوه الركاب من المغادرين للقطار في تلك المحطة ... وقد أراد الشاب الفلسطيني أن ينزل من القطار لشراء بعض إحتياجاته من الحوانيت المتواجدة في المحطة ثم يعود إلى القطار لمواصلة الرحلة إلى المدينة التي يقصدها حيث توجد الجامعة والسكن الجامعي ...
وما أن غادر القطار حتى تم التعرف عليه لإختلاف سحنته عن البحر الهائج الذي يحيط به من كل جانب ... إحاطة السوار بالمعصم وهم ينشدون ويهزجون ... يركعون ويسجدون ... والفتى الفلسطيني يصيح كالمجنون دعوني قبل أن يغادر القطار ... ماذا تريدون ...
وكلما صاح كلما تأكد الحشد أنه هو الإله ...
يتبع في الحلقة القادمة
بقلمي
المحامي عبد الكريم الصوفي
اللاذقية ..... سورية
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق